أحدهما: الرخصة المستقرة المعلومة من الشرع نصًا, كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير عند الضرورة وكفطر المريض والمسافر وقصر الصلاة في السفر ونحو ذلك, فهذه هي الرخص الشرعية التي منها ما هو واجب كأكل الميتة عند الضرورة, ومنها ما هو راجح كفطر الصائم المريض وقصر المسافر.
النوع الثاني: رخص التأويلات واختلاف المذاهب فهذه تتبعها حرام, ولا يجوز للمكلف أن ينساق وراء أهوائه بحثا عن الأوفق لها, دون النظر والاعتبار للدليل الأقوى والحجة الأوثق.
وساق ابن القيم على النوع الثاني أمثلة كثيرة منها: من ترخص بقول أهل العراق في الأشربة, وأهل المدينة في الأطعمة, وأصحاب الحيل في المعاملات, وقول ابن عباس في المتعة وإباحة لحوم الحمر الأهلية, وقول من جوز للصائم أكل البَرَد وقال ليس بطعام ولا شراب, إلى غيرها من الصور والأمثلة التي قال فيها جميعا:"فهذا الذي تنقص بترخصه رغبته -أي مقام الرغبة إلى الله -ويوهن طلبه ويلقيه في غثاثة الرخص" [1]
ولا ريب أن هذا النوع من الترخص الذي يقوم على أساس التتبع للأقوال الفقهية بحثا عن موافقة الهوى وتلبية لشهوات النفس دون مراعاة لأي دليل, ترخص غير مشروع, وهذا المعنى هو الذي اقتضى جملة من القواعد الأصولية والمسائل في مباحث التقليد مثل"تتبع رخص المذاهب فسق" [2] "التلفيق بين المذاهب حرام [3] ", وستأتي هذه القواعد مفصلة بضوابطها وشروطها في قسم القواعد الأصولية, وهي في جملتها تعبير عن الإمعان في إغلاق الباب أمام أصحاب الأهواء حتى لا ينتهزوا الأقوال الفقهية المختلفة للخروج من ربقة التكليف, والترخص بها على حسب شهواتهم, وجعل الشريعة طوعا لأغراضهم ومصالحهم الخاصة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المصدر السابق 2/ 58.
[2] انظرها في قسم القواعد الأصولية بلفظ:"تتبع رخص المذاهب لا يجوز".
[3] انظر: الإحالة السابقة.