فهرس الكتاب

الصفحة 1900 من 19081

وقد ورد قريبا من هذا أيضا عن أبي بن كعب قال: كان رجل من الأنصار بيته أقصى بيت في المدينة , فكان لا تخطئه الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال: فتوجعنا له , فقلت له: يا فلان لو أنك اشتريت حمارا يقيك من الرمضاء, ويقيك من هوام الأرض, قال: أما والله ما أحب أن بيتي مطنب ببيت محمد صلى الله عليه وسلم -أي إلى جانب بيته-, قال: فحملت به حملا حتى أتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم , فأخبرته , قال: فدعاه, فقال له مثل ذلك, وذكر له أنه يرجو في أثره الأجر, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"إن لك ما احتسبت" (3)

فهذا الأنصاري في الظاهر قد تحرى العمل الشاق لذاته, وأصرّ على الإتيان إلى المسجد على قدميه رغم ما فيه من مشقة, فكأنه قاصد المشقة لذات المشقة, وقد أقره الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا العمل.

كذلك ورد عن أبي موسى الأشعري أنه كان في سفينة في البحر مرفوع شراعها, فإذا رجل يقول:"يا أهل السفينة, قفوا"- سبع مرات - قلت: ألا ترى على أي حال نحن؟ فقال في السابعة:"قفوا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه, إن الله قضى على نفسه, أنه من عطش نفسه في يوم حار من أيام الدنيا شديد الحر كان حقيقا على الله أن يرويه يوم القيامة" [1] .

ويجاب على ذلك كله: بأن هذه الأحاديث التي قد يفهم من ظاهرها الدعوة إلى العمل بالشاق لذات المشقة, إذا أحسن النظر والتأمل فيها أفادت معنى آخر موافقا للمعنى المقاصدي الكلي الذي ترشد إليه القاعدة التي نحن بصددها, وأنبأت أن الحضّ على العمل في هذه الأحاديث لم يكن لذات المشقة, وإنما للعمل الذي عظمت مشقته من حيث هو عمل, فحديث بني سلمة بلزوم أماكنهم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] رواه ابن المبارك في الزهد والرقائق 461 - 462 (1309) ؛ وأبو نعيم في الحلية 1/ 260؛ والبيهقي في الشعب 3/ 411 (3921) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه؛ ورواه الحاكم في المستدرك 3/ 476 عن ابن عباس رضي الله عنهما بنحوه، وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: ابن المؤمل ضعيف.

[2] رواه مسلم 1/ 461 (663) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت