فهرس الكتاب
وعدم الانتقال إلى جوار المسجد كان خوفا من إخلاء أطراف المدينة ممن يحرسها ويحميها, وهذا ما يرشد إليه حديث أنس: أن بني سلمة أرادوا أن يتحولوا عن منازلهم فينزلوا قريبا من النبي صلى الله عليه وسلم , قال: فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعروا المدينة , فقال:"ألا تحتسبون آثاركم" (2) وعليه فإن الدعوة لبني سلمة للزوم ديارهم وعدم الانتقال عنها لم تكن حضا على المشقة اللازمة عن العمل, وإنما كان حضا على العمل الأكثر مصلحة ونفعا للمسلمين , وتحقيقا لأمن المجتمع والأفراد, وإن لزمت عن هذه الأعمال مشقة أكبر. فلو خلت المدينة ممن يحرسها من أطرافها لأدى هذا إلى فوات عنصر الأمن الذي لا تقوم حياة المجتمعات إلا به, ولأفضى إلى تعريض المجتمع كله للخطر, بعري ظهره ممن يحميه ويدافع عنه, ولهذا رغب الرسول بني سلمة بالبقاء في ديارهم وبشرهم بأن ما يلاقونه من مشقة السير في الطريق هو مما يزيد من درجاتهم وحسناتهم ومقامهم عند الله تعالى."دياركم تكتب آثاركم"
وأما حديث أبي بن كعب بحق الأنصاري الذي آثر السعي إلى المسجد ماشيا على السعي إليه راكبا, وحديث أبي موسى الأشعري الذي كان يتحرى الصوم في اليوم الشديد الحر, فإن الذي يفيده هذان الحديثان: هو عظم الأجر لمن عظمت مشقة العبادة عليه, كالوضوء عند الكريهات, والظمأ والنصب في الجهاد, وليس فيهما الدلالة على القصد إلى التشديد على النفس وتعذيبها, وتحري العمل الشاق لذات المشقة والعنت, وإنما فيهما القصد للدخول في عبادة عظم أجرها لعظم مشقتها, فالقصد كان متجها للعمل الذي عظم أجره, لا المشقة التي تنتج عن هذا العمل, وعليه فإن المشقة كانت تابعة لا متبوعة, والقاعدة إنما تتناول المشقة إذا كانت أصلا متبوعا, لا فرعا تابعا.
و هذا المعنى هو ما أومأ إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله للأنصاري"لك ما احتسبت"بعد أن تثبت من أن الأنصاري لا يقصد المشقة لذاتها, وأنه لا يريد أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه البخاري 3/ 23 (1887) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.