2 -من الأحاديث الدالة على دفع أعلى المفسدتين وإن وقع أدناهما:
أ- ما جاء في حديث جابر بن عبد الله في قصة عبد الله بن أبي ابن سلول عندما قال: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} . قال عمر: ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا, يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه". [1]
حيث أحجم الرسول صلى الله عليه وسلم عن قتل ابن أُبي بالرغم من أن في بقائه وحياته فسادًا على المسلمين , وذلك دفعًا لمفسدة أعظم هي الخوف من أن يتحدث الناس بأن الرسول يقتل أصحابه, قال النووي:"فيه ترك الأمور المختارة, والصبر على بعض المفاسد؛ خوفا من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم منه". [2]
ب- عن أنس بن مالك: أن أعرابيا [3] بال في المسجد, فقاموا إليه , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تزرموه [4] "-أي لا تقطعوه - ثم دعا بدلو من ماء فصب عليه" [5] ."
حيث يدل الحديث على دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما, وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما, فإن البول في المسجد مفسدة وقطعه على البائل مفسدة أعظم منها, فدفع أعظمها بأيسرهما. وتنزيه المسجد عنه مصلحة وترك البائل إلى الفراغ مصلحة أعظم منها فحصل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما" [6] ."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه البخاري 4/ 183، 184، 6/ 154، 155 (4905) (4907) ، ومسلم 4/ 1998، 1999 (2584) / (63) ، من حديث جابر.
[2] شرح النووي على صحيح مسلم 16/ 139.
[3] قيل هو: ذو الخويصرة اليماني. وقيل: الأقرع بن حابس التميمي. وقيل: عيينة بن حصن. انظر: فتح الباري لابن حجر 1/ 386، 387، تنبيه المعلم لسبط بن العجمي 100، 101، البدر المنير لابن الملقن 2/ 298، شرح الموطأ للزرقاني 1/ 130 ..
[4] بضم أوله وسكون الزاي، وكسر الراء، من الإزرام، أي لا تقطعوا عليه بوله، يُقال: زرم البول إذا انقطع، وأزرمته قطعته، وكذلك يُقال في الدمع. انظر: فتح الباري لابن حجر 10/ 264.
[5] رواه البخاري 8/ 12 (6025) واللفظ له، ومسلم 1/ 236 (284) ، من حديث أنس رضي الله عنه.
[6] عمدة القاري للعيني 3/ 127.