قال القرافي:"التَّفْضِيلُ بِالثَّمَرَةِ وَالْجَدْوَى كَتَفْضِيلِ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ يُثْمِرُ صَلَاحَ الْخَلْقِ وَهِدَايَتَهُمْ إلَى الْحَقِّ بِالتَّعْلِيمِ وَالْإِرْشَادِ, وَالْعِبَادَةُ قَاصِرَةٌ عَلَى مَحَلِّهَا."
وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْعِلْمِ مَوْضُوعَاتُهُ أَيْ تَآلِيفُهُ فَيَنْتَفِعُ الْأَبْنَاءُ بَعْدَ الْآبَاءِ, وَالْأَخْلَافُ بَعْدَ الْأَسْلَافِ, وَالْعِبَادَةُ تَنْقَطِعُ مِنْ حِينِهَا, وَثَمَرَةُ الْعِلْمِ وَهِدَايَتُهُ تَبْقَى إلَى يَوْمِ الدِّينِ." [1] "
على أن تقديم العمل المتعدي على العمل القاصر وتفضيله عليه, مقيد بأن تكون الأعمال متساوية في جملة من الاعتبارات الأخرى, كالتساوي في الرتبة من حيث كونها من الضروريات أو الحاجيات أو التحسينيات, والتساوي في النوع: باعتبارها من قبيل حفظ الدين أو النفس أو النسل أو العقل أو المال, والتساوي في قوة طلب الشارع لها: بأن تكون جميعها من الواجبات أو هي جميعها من المندوبات, والتساوي في الإخلاص وقصد التقرب إلى الله تعالى, فإذا تفاوتت في أيّ من هذه الاعتبارات, فلا يكون الترجيح على حسب التعدي والقصور, وإنما بناء على تلك المعايير والاعتبارات, هذا ما حدا بالعز بن عبد السلام إلى القول:"رب عمل قاصر أفضل من عمل متعد, كالعرفان والإيمان وكذلك الحج والعمرة والصلاة والصيام" [2] .
بل ذهب القرافي إلى أبعد من ذلك عندما نفى القاعدة من أصلها بقوله"قول الفقهاء القربة المتعدية أفضل من القاصرة لا يصح؛ لأن الإيمان والمعرفة أفضل من التصدق بدرهم, وإنما الفضل على قدر المصالح الناشئة من القربات" [3]
ولكن يمكن أن يرفع هذا الإشكال إذا روعي في تقرير هذه القاعدة القيد السابق؛ فالتفاضل إنما يصدق على الأعمال المتساوية في الرتبة والنوع وطلب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الفروق 2/ 362.
[2] الفوائد في اختصار القواعد للعز بن عبد السلام ص 122.
[3] الذخيرة للقرافي 13/ 357.