فهرس الكتاب

الصفحة 2045 من 19081

والأصل في التشريع الإسلامي أنه يسعى لإقامة كلٍّ من المصالح الدنيوية والمصالح الآخروية معًا دون الإخلال بأيٍّ منهما, أو الانتقاص من أيٍّ منهما. فدائرة المصالح في الإسلام واسعة وممتدة, تشمل الحياة الدنيا والحياة الآخرة معًا, وتحفظهما معًا, بما يحقق سعادة الإنسان وأمنه, في يومه وغده, وعاجله وآجله. والشريعة الإسلامية لا تجعل العلاقة بين المصالح الدنيوية والأخروية محكومة بالتعارض والتصادم وضرورة اطراح إحداهما لإقامة الأخرى بإطلاق, إذ ما دام من الممكن إقامة المصلحتين معا وتحصيلهما معا فإنه لا يضحى بأيّ منهما, ولا تضيع أيٌّ منهما, وقد نبه الله تعالى في كتابه الكريم بأن من الدعاء المشروع"رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" [البقرة -201]

على أنه إذا تصادمت المصلحتان وتعذر إقامة إحدى المصلحتين إلا بالتضحية بالأخرى وتعين الترجيح بينهما للمحافظة على الأخرى, فإن التي يتعيَّن تقديمها هي المصلحة الأخروية لأنها أعلى في المكانة والاعتبار من المصلحة الدنيوية, قال العز بن عبد السلام:"ولا نسبة لمصالح الدنيا ومفاسدها إلى مصالح الآخرة ومفاسدها, لأن مصالح الآخرة خلود في الجنان ورضا الرحمن مع النظر إلى وجهه الكريم, فيا له من نعيم مقيم! ومفاسدها خلود النيران وسخط الديان مع الحجب عن النظر إلى وجهه الكريم, فيا له من عذاب أليم" [1]

ومثل هذا أيضا قول الشاطبي:"المصالح والمفاسد الأخروية مقدَّمة في الاعتبار على المصالح والمفاسد الدنيوية باتفاق, إذ لا يصح اعتبار مصلحة دنيوية تخل بمصالح الآخرة, فمعلوم أن ما يخلّ بمصالح الآخرة غير موافق لمقصود الشارع فكان باطلًا." [2]

على أن ثمة ملحظًا ً تجدر الإشارة إليه في هذا المقام يتعلق بأسباب المصالح

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] قواعد الأحكام 1/ 7، وانظر أيضا: القواعد الصغرى ص 41.

[2] الموافقات 2/ 387.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت