الأخروية التي تندرج في المصالح الأخروية, باعتبار أن المصلحة هي المنفعة ووسيلتها التي تؤدي إليها, فتقديم هذه الأسباب على المصالح الدنيوية مقيدٌ بأن لا يؤدي إلى إلحاق مشقة لا يقوى المكلف عليها عادة وكانت هذه المشقة مما اعتبره الشارع وقصد إلى رفعها عن المكلف, فمصلحة الصيام مثلًا مقدمة على مشقة الجوع والعطش التي تعترض الصائم, ما دامت هذه المشقة معتادة [1] , فإذا بلغ الجوع والعطش وهما من المفاسد الدنيوية حدًّا غير معتاد, ينشأ عنه فساد في جسم المكلف فإنّ الصيام لا يبقى مشروعًا, ولا يقدم على المصلحة الدنيوية. وإسباغ الوضوء على المكاره مصلحة أخروية مقدّمة في الاعتبار على بعض المشاق الدنيوية المعتادة التي قد تعترض المكلف, كمشقة الوضوء في الليالي الباردة مثلًا, فإذا كان الوضوء سببًا في الإضرار ببدن المكلف فإن الوضوء لا يشرع في هذه الحالة.
ويمكن القول إن أسباب المصالح الأخروية إذا خرجت عن المعتاد, وأدى النهوض بها إلى إلحاق فساد دنيوي بالمكلف, وكانت هذه المشقة معتبرة في الشرع ويقصد الشارع إلى دفعها عن المكلف, فإنها لا تبقى مشروعة ولا تبقى أسبابا للمصالح الأخروية حينئذ, وإلى هذا المعنى يشير حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم , كان في سفر فرأى رجلا قد ظلل عليه, فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم , فقال: «ليس من البر الصوم في السفر» 1.
قال الطحاوي في تفسير هذا الحديث:"هذا الحديث خرج لفظه على شخص معين, وهو رجل رآه رسول الله وهو صائم قد ظلل عليه, وهو يجود بنفسه فقال ذلك القول, ومعناه ليس البر أن يبلغ الإنسان بنفسه هذا المبلغ, والله"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر حقيقة المشقة غير المعتادة في القاعدة المقاصدية: (إذا كانت المشقة خارجة عن المعتاد فمقصود الشارع فيها الرفع على الجملة) .
[2] رواه البخاري 3/ 34 (1946) ؛ ومسلم 2/ 786 (1115) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.