فهرس الكتاب

الصفحة 2047 من 19081

قد رخص في الفطر [1] "فإذا أدّت أسباب المصالح الأخروية إلى فساد حياة الإنسان الدنيوية, فقد خرجت بذلك عن أن تكون أسبابا للمصالح الأخروية."

وفي هذا السياق يجدر التنبيه إلى أن تقديم المصالح الأخروية على الدنيوية في الاعتبار, وضبط المصالح الدنيوية بأن لا تؤدي إلى الإخلال بالمصالح الأخروية, لا يقصد منه المحافظة على مصالح الآخرة فقط, وإنما يراد منه أيضا المحافظة على المصالح الدنيوية الحقيقية التي لا تقوم الحياة الدنيا حقّ القيام إلا بها, ذلك أن كل ما يستلزم ثوابا في الآخرة من الأعمال فإنه يستلزم لا محالة نفعًا حقيقيًا في الدنيا, وكل ما ينجم عنه عقاب في الآخرة فإنه يستلزم لا محالة مفسدة حقيقية في الدنيا. فإذا تعارضت بعض المصالح الدنيوية مع مصلحة أخروية, فهذه أمارة على تعارضها أيضا مع مصلحة دنيوية أخرى هي أعظم منها في المكانة وأولى في الاعتبار, ولهذا فإنه يجب إهدار تلك المصلحة الدنيوية واطِّراحها؛ لأنها ستخلّ بمصالح الآخرة ومصالح الدنيا معًا, لا بمصالح الآخرة فقط.

فاللذة والمتعة والنشوة التي تتحصل مثلًا من القتل, أو من شرب الخمر, أو من فعل الزنا, تتصادم مع المصالح الأخروية ومع المصالح الدنيوية أيضا؛ وذلك عن طريق إخلالها بمصلحة الحفاظ على النفس أو النسل أوالعقل, وهي من المصالح الضرورية التي لا يستقيم أمر الحياة إلا بها.

وعليه فإن ضبط المصالح الدنيوية بميزان المصالح الأخروية, من شأنه أن يثمر مصالح دنيوية حقيقة, وأن يكشف زيف المصالح المتوهمة التي تلبس لباس المصلحة وهي في لبها وجوهرها خالية من مضمون المصلحة وحقيقتها, كالتحلل من قيود العبادات مثلًا, والقصد إلى متعة الزنا, وتعاطي المسكرات والمخدرات, و إباحة الشذوذ الجنسي, فهي جميعها وإن شابتها المصلحة الدنيوية من حيث

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] عمدة القاري للعيني 11/ 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت