المسائل, لأن ذلك مخرج لها عن المقصود, إذ المقصود منها ما هي آلة له لا غير, فكلما خرجت عن ذلك خرجت عن المقصود, وصار الاشتغال بها لغوًا, مع ما فيه من صعوبة الحصول على ملكتها بطولها وكثرة فروعها. وربما يكون ذلك عائقا عن تحصيل العلوم المقصودة بالذات لطول وسائلها, مع أن شأنها أهم والعمر يقصر عن تحصيل الجميع على هذه الصورة, فيكون الاشتغال بهذه العلوم الآلية تضييعًا للعمر وشغلا بما لا يعني.
وهذا كما فعل المتأخرون في صناعة النحو, وصناعة المنطق, وأصول الفقه, لأنهم أوسعوا دائرة الكلام فيها وأكثروا من التفاريع والاستدلالات بما أخرجها عن كونها آلة وصيّرها من المقاصد, وربما يقع فيها أنظار لا حاجة بها في العلوم المقصودة. فهي من نوع اللغو, وهي أيضا مضرة بالمتعلمين على الإطلاق؛ لأن المتعلمين اهتمامهم بالعلوم المقصودة أكثر من اهتمامهم بوسائلها, فإذا قطعوا العمر في تحصيل الوسائل فمتى يظفرون بالمقاصد؟
فلهذا يجب على المعلمين لهذه العلوم الآلية أن لا يستبحروا في شأنها وينبهوا المتعلم على الغرض منها, ويقفوا به عنده, فمن نزعت به همته بعد ذلك إلى شيء من التوغل فليرق له ما شاء من المراقي صعبا أو سهلا, وكل ميسر لما خلق له 1. مم [1] [2] " (1) "
الدكتور عبد الرحمن الكيلاني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مقتبس من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث رواه البخاري 9/ 159 (7551) ، ومسلم 4/ 2041 (2649) ، عن عمران بن حصين رضي الله عنه، ورمز له المزي (رقم 10859) خ م د س.
[2] مقدمة ابن خلدون 1/ 537.