مستثنيات القاعدة فقال:"وقد استثنى في سقوط الوسائل بسقوط المقاصد أن الناسك الذي لا شعر على رأسه مأمور بإمرار الموسى على رأسه مع أن إمرار الموسى على رأسه وسيلة إلى إزالة الشعر فيما ظهر لنا." [1]
على أنه يمكن الإجابة على هذا الإشكال وأمثاله ونظائره بالقول: إن إجراء هذه القاعدة على الوسائل التي سقطت مقاصدها مقيد بقيدين:
الأول: أن لا يدل الدليل على طلب هذه الوسيلة لذاتها:
فإذا قام الدليل على طلب الوسيلة لذاتها فمعنى ذلك أن الشارع قاصدُُ لتحقيقها وتحصيلها وإيجادها بقطع النظر عن إيصالها لمقصودها, وحينئذ تكون هذه الوسيلة وسيلةً ومقصدًا في آن واحد ولكن باعتبارين: فهي وسيلة باعتبار أنها توصل وتفضي إلى غيرها, وهي في الوقت نفسه مقصد باعتبار أن الشارع قد طلبها لذاتها ولعينها, فإذا انتفى الاعتبار الأول بحيث لم تعد موصلة إلى غيرها البتة, بقي الاعتبار الثاني قائمًا وماثلا.
وعلى هذا تتخرج مسألة الحاج الذي لا شعر له, حيث ثبت عند القائلين بهذا الرأي جملة أدلة تثبت بقاء المطالبة بالوسيلة وإن انتفى المقصود, وهذا المعنى هو ما نبّه إليه الشاطبي بقوله:"ولكن إن فرضنا كون الوسيلة كالوصف المقصود بكونه موضوعا لأجله, فلا يمكن -والحال هذه- أن تبقى الوسيلة مع انتفاء المقصد, إلا أن يدل دليل على الحكم ببقائها فتكون إذ ذاك مقصودة لنفسها, وإن انجرّ مع ذلك أن تكون وسيلة إلى مقصود آخر فلا امتناع في هذا, وعلى ذلك يحمل إمرار الموسى على من لا شعر له .." [2] إلى أن قال:"فالقاعدة صحيحة وما اعترض به لا نقض به عليها, والله أعلم بغيبه وأحكم." [3]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] قواعد الأحكام 1/ 169. تحقيق الدكتور نزيه حماد وعثمان ضميرية. وانظر للتوسع في توجيه هذا الاستثناء ونقده قواعد الوسائل لمصطفى مخدوم ص 258 وما بعدها.
[2] الموافقات 2/ 20.
[3] المصدر نفسه.