فهرس الكتاب
أما الاستحباب فيمكن أن يصدق في الجملة على الوسائل التي هي أقوى في تحقيق المصالح الفردية الخاصة التي تتعلق بآحاد الأفراد ومنافعهم, فيكون الأخذ بها حينئذ من قبيل المستحب والمندوب لا الفرض.
هذا, وإنّ قوة الوسيلة في تحصيل مقصدها تأخذ صورًا وأشكالا مختلفة, فقد تكون قوتها في فاعليتها في رسوخ المقصد وتأكيده, وقد تكون القوة في سرعتها في تحقيق مقصدها وإنجازه, وفي صور وحالات أخرى قد تكون القوة في يُسر الوسيلة وسهولة الأخذ بها, وقد نبّه محمد الطاهر ابن عاشور إلى هذا المعنى بقوله:"وقد تتعدد الوسائل إلى المقصد الواحد فتعتبر الشريعة في التكليف بتحصيلها أقوى تلك الوسائل تحصيلا للمقصد المتوسل إليه, بحيث يحصل كاملا راسخًا عاجلا ميسورًا فتقدمها على وسيلة هي دونها في هذا التحصيل." [1]
على أن تقديم وسيلة على أخرى بناء على قوة إفضائها إلى المقصود مقيّد بأن لا يعارض الوسيلة الفاضلة مانع يمنع من اختيارها والأخذ بها, وقد جاء نص القاعدة مقيدا بهذا القيد, وهذا ما صرح به ابن تيمية بقوله:"وما كان أبلغ في تحصيل مقصود الشارع كان أحب إذا لم يعارضه ما يقتضي خلاف ذلك." [2] .
والذي يقتضي خلاف ذلك: قد يكون دليلًا شرعيًا يرشد إلى عدم مشروعية تلك الوسيلة أصلًا, أو مشقة خارجة عن المعتاد ستحيق بالمكلف إذا أخذ بالوسيلة الفاضلة, أو يكون التشبث بالوسيلة الفاضلة سببًا في إلحاق مفسدة أو تفويت مصلحة أكبر من المصلحة المقصود تحصيلها من الوسيلة, فالوسيلة الفاضلة تصبح مفضولة إذا تعلقت بها مفسدة راجحة, وهو ما يمليه ويوجبه الأصل الكلي الذي مضى تقريره:"يقدم خير الخيرين بتفويت أدناهما, ويدفع شر الشرين بالتزام أدناهما" [3]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مقاصد الشريعة لابن عاشور ص 419.
[2] مجموع الفتاوى 21/ 308.
[3] انظرها في قسم القواعد المقاصدية.