فهرس الكتاب

الصفحة 2148 من 19081

والمقاصد لغة واصطلاحًا, وتقرّر فيها أن معيار اعتبار الفعل مقصدًا أو وسيلة إضافته إلى غيره, فإن كان مطلوبًا لذاته فهو مقصد, وإن كان مطلوبًا لغيره فهو وسيلة, وإن كان مطلوبًا لذاته ولغيره فهو مقصد ووسيلة معًا. وتظهر هذه القاعدة: أن المقصد الواحد إذا كان يتحقق ويتحصّل بأكثر من وسيلة وهي جميعها متساوية في قوة الإفضاء إلى مقصودها, فإنه يُتخيَّر بين هذه الوسائل ولا يلزم بواحدة منها على سبيل الحصر والتعيين, ذلك أن الوسيلة ليست مطلوبة لذات الوسيلة, وإنما هي مطلوبة لتحصيل المقصد الذي تفضي إليه, وما دامت الوسائل على وزان واحد من حيث النتيجة والغاية التي توصل إليها, وأن أيًّا من تلك الوسائل غير مطلوبة على سبيل التعيين, فإن للمكلف أن يختار منها ما يناسبه ويلائمه.

ولقد عبَّر عن هذا المعنى القرافي بقوله:"القاعدة أن المقصد إذا كان له وسيلتان فأكثر لا تتعيَّن إحداهما عينًا بل يخيّر بينهما, كالجامع إذا كان له طريقان مستويان يوم الجمعة لا يجب سلوك أحدهما عينًا بل يخيَّر بينهما, وكذلك السّفر إلى الحج في البرّ والبحر المتيسرين لا يتعيّن أحدهما." [1]

ومثل هذا أيضا قول محمد الطاهر ابن عاشور:"فإذا قدّرنا وسائل متساوية في الإفضاء إلى المقصد باعتبار أحواله كلها سوّت الشريعة في اعتبارها, وتخير المكلف في تحصيل بعضها دون الآخر, إذ الوسائل ليست مقصودة لذاتها." [2]

هذا, وإنّ صلاحية الوسائل ليقوم بعضها مقام بعض في تحقيق المصلحة الشرعية المقصودة أمر يمكن استجلاؤه وتبيُّنه من خلال النص الشرعي نفسه الذي قد يرشد صراحة إلى أن كل وسيلة تؤدي إلى المقصود فهي وسيلة معتبرة ومقررة ومقبولة. كما يمكن استجلاؤه وتبيّنه من خلال الاجتهاد في فهم النص, والنظر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الفروق للقرافي 3/ 270.

[2] مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور ص 419.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت