والتدقيق في مقصود الشارع من الحكم, ومدى تحققه بأكثر من طريق ووسيلة, [1] وبيان هذا: أن النصوص الشرعية قد ترشد في بعض الصور إلى أن المقاصد المبتغاة يمكن التوصل إليها بأكثر من وسيلة, وأن أيًّا من تلك الوسائل تصلح لتحقيق مقصودها من غير تعيين ولا حصر, ويمكن التمثيل لذلك بحديث رافع بن خديج رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا رسول الله إنا لاقو العدو غدًا, وليس معنا مُدًى [2] , أفنذبح بالقَصَب؟ فقال صلى الله عليه وسلم:"ما أنهر الدم, وذكر اسم الله عليه فكلوه, ليس السن والظفر" [3] "
ففي هذا الحديث تصريح ظاهر بأن كل وسيلة وآلة يتحصل بها إنهار الدم -إي إجراؤه وتدفقه واندفاعه -فهي وسيلة جائزة ومشروعة, سواء أكانت تلك الآلة مصنوعة من الحديد كالمدى, أو من غيره كالقصب, وهذا ما نبّه إليه ابن دقيق العيد بقوله:"وفيه دليل على جواز الذبح بما يحصِّل المقصود من غير توقف على كونه حديدًا بعد أن يكون محددًا" [4] .
أما الاجتهاد في فهم النص لتحديد مدى تحقق المقصود بوسائل متعددة, فذلك بما أوتي الفقيه من عقل سديد متشرب لمعاني التشريع ومقاصده يمكِّنه بعد النظر والبحث من التوصل إلى أن المصلحة الشرعية التي أرادها الشارع وابتغاها تتحقق بأكثر من وسيلة وطريق دون تعيين ولا حصر.
ويمكن التمثيل لهذا المعنى بما قرره جمهور الفقهاء من أن الإيجاب والقبول في العقود المالية كما يحصلان بالألفاظ المنطوقة الدالة على رضا المتعاقدين بالعقد, فكذلك يحصلان بالكتابة والإشارة والرسالة والمعاطاة وغيرها من وسائل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر قواعد الوسائل لمصطفى مخدوم ص 275.
[2] جمع مدية وهي السكين أو الشفرة.
[3] رواه البخاري 3/ 138، 142 (2488) (2507) ، 4/ 75 (3075) 7/ 91، 92، 93، 98 (5498) (5503) (5506) (5509) (5543) ، ومسلم 3/ 1558 (1967) من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه.
[4] إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد 4/ 203.