ولما كان واضحا أن هذه الأحكام إنما هي وسائل, وأنها ليست تعبدية ولا حصرية ولا مقصودة لذاتها, وأن المقصود إنما هو حفظ المال وضمان إعادته إلى صاحبه, لما كان هذا مفهوما وواضحا, فقد تصرف العلماء في هذه الأحكام بالزيادة والنقصان والتعديل, حسب الحالات المتنوعة والمتغيرة, للمفقودات وطبيعتها وأماكنها, وللناس وظروفهم ومدى أمانتهم أو فسادهم ...
فمن ذلك:
أن الخليفة عمر رضي الله عنه كان يمسك ضوال الإبل فترة, فإن لم يأت أصحابها أعادها من حيث جيئ بها.
وأما عثمان رضي الله عنه فكان يأمر ببيعها وحبس أثمانها لأربابها 1
وذهب الحنفية إلى أن ضوال الإبل تلتقط وتحفظ إن كان ذلك أضمنَ لها على صاحبها, وأما النهي في الحديث فهو لمن أراد أن يأخذها لنفسه. وإلى مثل هذا ذهب الشافعية 2
وروى ابن وهب عن الليث و مالك أنهما يقولان في ضالة الإبل: في القرى من وجدها يُعَرِّفها 3, وإن وجدها في الصحاري فلا يقربها 4
وبناء عليه, فبدل التعريف باللُّقَطة في المجامع والأسواق والمساجد والطرقات لمدة سنة كاملة قبل أخذها واستعمالها, يمكن اليوم - في بعض الحالات - الاستعاضةُ عنه بالإعلان في الصحافة لأيام معدودة. وأما المقصود بحفظ"عفاصها ووكائها", فيمكن اليوم تحقيقه على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه مالك في الموطأ رواية محمد بن الحسن الشيباني 303 (850) ، البيهقي في الكبرى 6/ 191، ابن عبد البر في التمهيد 3/ 125، ابن بطال في شرح البخاري 6/ 548.
[2] فتح الباري لابن حجر 5/ 80.
[3] أي أنه يمسكها ويعرف بها.
[4] التمهيد لابن عبد البر 3/ 110.