فهرس الكتاب

الصفحة 2168 من 19081

لطبيعتها ولقوّة اتصالها وقربها من المفسدة, فليست مفسدة النظرة الحرام في قوتها وحجمها وآثارها كمفسدة الزنا نفسه, وليست مفسدة شرب القليل الذي لا يسكر كمفسدة الكثير الذي يسكر.

وهذا التفاوت بين مفاسد الوسائل ومفاسد المقاصد يقتضي أن يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد عند إجراء الموازنة بينها وبين المصالح التي تعارضها, فيجوز رفعًا للحرج والمشقة غير المعتادة وتحقيقًا للمصلحة الحاجية فعل المحرّم تحريم وسائل إذا تعيّن فعله, لأن المصلحة الحاجية أعظم من مفسدة الوسيلة.

أما المحرم لذاته, أي تحريم مقاصد, فإنه لا يجوز فعله لمجرد الحاجة والمشقة, وإنما لا بد أن يتعارض مع مصلحة ضرورية هي أولى منه بالاعتبار, ذلك أن المفسدة الذاتية التي فيه تتهدد مباشرة الأصول الضرورية التي لا تقوم الحياة إلا بها وهي: الدين, و النفس, و النسل, و العقل, و المال, وعليه فإنه لا يجوز فعله إلا إذا تعيّن لتحصيل مصلحة ضرورية أخرى هي أعظم من مفسدته وأولى منها بالاعتبار, كأن يتعارض محرم لذاته فيه مفسدة تتعلق بالمال مع مصلحة تتعلق بالنفس, فتقدّم مصلحة حفظ النفس على المفسدة المتعلقة بالمال, وهذا ما سبق بيانه وتفصيله في قواعد الموازنة بين المصالح المتعارضة التي هي جميعها من قبيل الضروريات. [1]

وبهذا فإن هذه القاعدة تمثل امتدادًا لجملة القواعد المتعلقة بالوسائل والمقاصد باعتبارها كاشفة عن واحد من أبرز الآثار العملية المترتبة على التمييز بين الوسيلة والمقصد, وهي في الوقت نفسه من صميم القواعد التي تنظم عملية الموازنة والترجيح بين المصالح والمفاسد المتعارضة التي تعذّر الجمع بينها.

... والإضافة الجديدة التي تقدمها هذه القاعدة في مجال الترجيح بين المصالح

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر القاعدة: (إذا تساوت المصالح في الحكم والرتبة قدم أعظمها نوعا عند التعارض) ، في قواعد الموازنات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت