عليه غنيًا كان أو فقيرًا وجلب لمودته ومؤالفته. وهذه الهبة على الضِّدّ من ذلك, ولو كانت على المشروع من التمليك الحقيقي لكان ذلك موافقًا لمصلحة الإرفاق والتوسعة ورفعًا لرذيلة الشح فلم يكن هروبا عن أداء الزكاة. وعليه تعتبر هذه الهبة باطلة من أصلها لأن مقصد المكلف منها مناقض لمقصد الشارع من تشريع الهبة. [1]
وبناء على هذا الأصل الكلي الذي تبينه القاعدة تقرر بطلان كل حيلة تعتمد على إظهار أمر جائز ليتوصل به إلى أمر محرم يبطنه المحتال [2] , ذلك أن كل قصد فاسد مؤذن بفساد العمل حتى لو كان في صورته مشروعًا وجائزًا, قال ابن تيمية:"فهو-أي المتحايل - يريد تغيير الأحكام الشرعية بأسباب لم يقصد بها ما جعلت تلك الأسباب له, وهو يفعل تلك الأسباب لأجل ما هو تابع لها, لا لأجل ما هو المتبوع المقصود بها, بل يفعل السبب لما ينافي قصده قصد حكم السّبب, فيصير بمنزلة من طلب ثمرة الفعل الشرعي ونتيجته, وهو لم يأت بقوامه وحقيقته, وهذا خداع لله سبحانه واستهزاء بآيات الله وتلاعب بحدود الله وقد دلّ على تحريمه الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح , وعامة دعائم الإيمان ومباني الإسلام, ودلائل ذلك لا تكاد تنضبط" [3]
وهذا يعني أن الحيلة إذا لم تكن هادمة لأصل شرعي ولا مناقضة لمصلحة شرعية فإنها لا تكون ممنوعة ولا باطلة, فالموافقة أو المناقضة لمقصود الشارع هي المعيار الفاصل بين الحيل المشروعة والحيل الممنوعة؛ فالحيل التي يبتغى بها أخذ المال بالباطل مثلًا, أو أكل الربا, أو إباحة الزنا, أو إسقاط الواجبات هي من الحيل الباطلة قطعًا؛ لأنها مناقضة لمقصود الشارع, وأما الحيلة التي يراد بها الحفاظ على النفس, أو الخداع للعدو, أو تخليص الحق من الظالم, فهي من الحيل المشروعة ما دامت مصالحها مشروعة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: الموافقات 2/ 385.
[2] انظر إعلام الموقعين لابن القيم 3/ 160.
[3] بيان الدليل ص 56 - 57