فهرس الكتاب

الصفحة 2203 من 19081

غير أنهم قد اختلفوا في كيفية التحقق من هذا القصد السيئ ومدى تأثيره على مشروعية التصرف قضاءً, فثمة اتجاه فقهي يذهب إلى أن تأثير القصد غير المشروع على العمل يقتصر على حالة الإفصاح عنه عند إبرام التصرف, كالمتبايعين اللذين يُصرِّحان بأن المقصود من البيع التوسل إلى قرض يجر نفعًا كأن يبيع البائع السلعة بثمن مؤجل, وبعد أن يقبضها المشتري يبيعها له بثمن حالّ أنقص من ثمنها المؤجل. فالبيع حينئذ باطل قضاء ولا ينبني عليه أيّ أثر من آثار العقد الصحيح ما دام قد تم التصريح بالغرض الفاسد من البيع [1] . أما إذا بقي القصد غير المشروع مستكنّا في النفوس دون تصريح به فإنه لا تأثير له على العقد قضاء, وإن كان صاحبه آثمًا ديانة. وهذا الاتجاه هو ما عبر عنه الشافعي بقوله:"أصل ما أذهب إليه أن كل عقد كان صحيحا في الظاهر لم أبطله بتهمة, ولا بعادة المتبايعين, وأجزته بصحة الظاهر وأكره لهما النية إذا كانت النية لو أظهرت كانت تفسد البيع" [2]

وثمة اتجاه فقهي آخر يذهب إلى أن تأثير القصد غير المشروع على التصرف قضاء لا يقتصر على حالة التصريح بهذا القصد, وإنما هو شامل لكل الحالات التي يمكن الاطلاع فيها على القصد غير المشروع من خلال القرائن والملابسات التي تحتف بالتصرف, كأن يعرف هذا القصد من خلال عادة المكلفين وأعرافهم, أو من خلال ظروف العمل وملابساته, أو من طبيعة العين المعقود عليها, أو غير ذلك من الوسائل التي يمكن أن يطلع بها على قصود المكلفين غير المشروعة [3] , فالبيع الذي مضى التمثيل له يعتبر بيعا باطلا حتى ولو بقي المقصد منه خفيا في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] وهو البيع المعروف ببيع العينة، انظر: المجموع للنووي 9/ 248 المغني لابن قدامة 4/ 127، القوانين الفقهية لابن جزي ص 171، حاشية ابن عابدين 5/ 273.

[2] الأم للشافعي 3/ 74.

[3] انظر هذا تفصيلا في: نظرية الباعث في العقود والتصرفات في الفقه الإسلامي لعبد الله الكيلاني، أثر الباعث غير المشروع في العقود والتصرفات دراسة مقارنة للهادي أحمد الهادي -رسالة دكتوراة جامعة القاهرة-كلية دار العلوم ص 108 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت