فهرس الكتاب

الصفحة 2237 من 19081

3 -من التطبيقات التي توضِّح الفرق بين مقام التكليف ومقام الاجتهاد في مجال النظر إلى مصالح الأحكام ومسبباتها, أن المجتهد ينظر إلى المقصد من وراء قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان" [1] ويدرك أن الحكمة هي تشويش الذهن عن استيفاء الحجاج بين الخصوم, ثم يوسِّع مجال إعمال هذا الحكم, فيلحق بالغضب الجوع والشبع المفرطين والوجع وغير ذلك مما فيه تشويش الذهن.

فإذا كان هذا المجتهد قاضيا ووجد في نفسه شيئا من الغضب, فهو في هذا الموطن في مقام التكليف, فله أن يمتنع عن القضاء أثناء الغضب إما لمجرد الامتثال لنهيه صلى الله عليه وسلم دون التفات إلى الحكمة المقصودة من ذاك النهي. وإما أن ينظر إلى حكمة النهي فيمتنع عن القضاء بناء على ما ظهر له من مفسدة عدم استيفاء الحجاج بين الخصوم. [2]

4 -من المواطن التي يكون النظر فيها إلى المسببّات مطلوبًا, أن يكون في النظر إليها تصحيحُُ للأسباب وتقويم لها, كمن يجد مثلًا أن إقامته للصلاة وأداءه للصيام وسائر العبادات الأخرى لا تثمر في تحقيق مقاصدها, من حيث تقويم أخلاقه, وتهذيب نفسه, وحضّه على البعد عن الفحشاء والمنكر, فيكون نظره للمسبَّبات حاملًا له على تصحيح تلك العبادات حتى تكون موصلة لمسبَّباتها قال الشاطبي:"ومنها أن الله عز وجل جعل المسبَّبات في العادة تجرى على وزان الأسباب في الاستقامة أو الاعوجاج, فإذا كان السبب تامًا والتسبب على ما ينبغي كان المسبّب كذلك وبالضد."

ومن ههنا إذا وقع خلل في المسبب نظر الفقهاء إلى التسبب هل كان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] رواه البخاري 9/ 65 (7158) ، ومسلم 3/ 1342 - 1343 (1717) واللفظ له، كلاهما عن أبي بكرة نُفيع بن الحارث الثقفي رضي الله عنه.

[2] الموافقات 1/ 201.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت