ويمكن التمثيل على هذين الضربين بمقاصد الزواج, فمقصده الأصلي الأول كما يبيّن الشاطبي هو حفظ النسل الذي يتحقق به إعمار الأرض وتنميتها. أما مقاصده التابعة التي روعيت فيها حظوظ المكلفين ومطالبهم الدنيوية العاجلة فهي كثيرة, منها: تحقيق السكينة والطمأنينة لكلا الزوجين, والتعاون بين الزوجين على المصالح الدنيوية والأخروية, واستمتاع الزوجين بالحلال, والنظر إلى ما خلق الله من المحاسن في النساء, والتجمل بمال المرأة, أو قيامها عليه وعلى أولاده. [1] .
ووجه تسمية بعض المقاصد بالأصلية وبعضها بالتبعية: أن الأصلية هي المقصودة للشارع ابتداء ومن أول الأمر, وأما التبعية فإنها مقصودة من جهة أنها خادمة وحاملة على تحقيق المقاصد الأصلية فهي من هذا الوجه كانت تابعة وراجعة للمقاصد الأصلية. [2] .
فإذا تبيّن المراد بكلٍّ من المقاصد الأصلية والتبعية فإن المعنى الإجمالي للقاعدة هو: أن المكلف إذا امتثل بالتكليف ونهض بالأعمال الشرعية المطلوبة أو المأذون فيها متجردًا عن طلب حظوظه العاجلة التي تتحصل منها, فإن أعماله التي قام بها تصبح عبادات يؤجر ويثاب عليها. كمن يتزوج مثلًا وهو يقصد مجرد الامتثال للشرع في الندب إلى النكاح والترغيب فيه, أو كان يقصد تقوية نسل المسلمين وتكثير عددهم دون نظر منه إلى المقاصد التابعة التي فيها تلبية لمطالب نفسه ورغائبها, فإن زواجه يتحول إلى طاعة وعبادة يثاب عليها. [3]
قال الشاطبي:".. أن البناء على المقاصد الأصلية يصير تصرفات المكلف كلها عبادات كانت من قبيل العبادات أو العادات لأن المكلف إذا فهم مراد الشارع من قيام أحوال الدنيا وأخذ في العمل على مقتضى ما فهم فهو إنما يعمل من حيث"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الموافقات 2/ 396 - 397.
[2] انظر تفصيل هذا المعنى في قاعدة (كل ما يخدم المقاصد الأصلية فهو مقصود للشارع) في قسم القواعد المقاصدية.
[3] الموافقات 2/ 202.