يكون المتبايعان قصدا بالجائز في الظاهر التوصل إلى ممنوع في الباطن, وذلك في كل ما كثر قصده للناس كبيع وسلف, وسلف بمنفعة, أي كتهمة بيع وسلف وتهمة سلف بمنفعة, فإن قصد الناس إلى ذلك يكثر, فنزلت التهمة عليه كالنص عليه." [1] "
وترتبط هذه القاعدة ارتباطًا وثيقًا بعدة أصول وقواعد وكليات, فهي ترتبط أولًا بأصل النظر إلى مآلات الأفعال, حيث إن كثرة القصد إلى ما هو ممنوع عند مباشرة الفعل الجائز يلزم عنها كثرة الإفضاء إلى ذلك الممنوع والوقوع فيه, كما يلزم عنها كثرة تحقق مفاسده وأضراره في الوجود؛ فكثرة القصد إلى الربا مثلًا عن طريق البيوع الجائزة بصورتها, يلزم عنه كثرة الإفضاء إلى الربا ووقوع مفاسده في المجتمع. وكثرة القصد إلى الرشوة عن طريق الهدية إلى الحكام والقضاة يعني كثرة الرشوة وزيادة مخاطرها وأضرارها, وهذا المآل الذي يتمثل بكثرة وقوع المفسدة هو الذي يكشف عن وجود هذا القصد الفاسد عند من يباشر العمل, وهو ما بينه الشاطبي بقوله:"فالتسبب المأذون فيه قوي جدًا إلا أن"
مالكا اعتبره في سد الذرائع بناء على كثرة القصد وقوعا. وذلك أن القصد لا ينضبط في نفسه, لأنه من الأمور الباطنة. لكن له مجال هنا هو كثرة الوقوع في الوجود." [2] "
كما ترتبط هذه القاعدة بأصل منع الحيل, حيث إن استعمال الفعل المشروع بقصد الوصول إلى ما هو ممنوع هو عين التحايل الممنوع في الشريعة.
هذا علاوة على اتصال هذه القاعدة بأصل سد الذرائع؛ ذلك أن الثمرة التي تترتب على اعتبار الفعل مظنة للقصد الفاسد هو أن يمنع ويحرم رغم كونه في صورته مشروعا وجائزا وهذه هي حقيقة سد الذرائع الذي يعني: منع كل عمل ظاهره الجواز يتوصل به إلى محظور. [3]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] شرح مختصر خليل للخرشي. دار الفكر للطباعة بيروت 5/ 93، وانظر: مواهب الجليل 6/ 271 محمد بن عبد الرحمن المغربي أبو عبد الله، دار النشر: دار الفكر - بيروت - 1398، الطبعة الثانية 6/ 271.
[2] الموافقات 2/ 361.
[3] أحكام القرآن لابن العربي 2/ 265.