وكون المقاصد تعرف بالكتاب العزيز؛ فلأنه المصدر الأول للشرع وكلِّ ما يندرج فيه, فهو أصل الأصول, ومنبع الكليات والحكم الشرعية, وأساس مصادر التشريع, قال الشاطبي: إن الكتاب قد تقرر أنه كلية الشريعة, وعمدة الملة وينبوع الحكمة, وآية الرسالة ونور الأبصار والبصائر, وأنه لا طريق إلى الله سواه, ولا نجاة بغيره, ولا تمسك بشيء يخالفه, وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير واستدلال عليه؛ لأنه معلوم من دين الأمة. وإذا كان كذلك لزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات الشريعة, وطمع في إدراك مقاصدها, واللحاق بأهلها؛ أن يتخذه سميره وأنيسه, وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي نظرًا وعملًا لا اقتصارًا على أحدهما. [1]
وقد اشتمل القرآن على مصالح العباد في المعاش والمعاد, وأحاط بمنافع الدنيا والدين, وجاء ذكر الكثير من المقاصد العامة والخاصة والجزئية في آيات القرآن مما سنذكره في الأدلة.
وإذا كان القرآن أصلًا في فهم المقاصد؛ فإن المقاصد هامة في فهم القرآن وتفسيره, وفي فهم السنة وإدراكها, كما ذكر الشاطبي عند حديثه عن النظر في القرآن والسنة استنباطا وفهما: كما أن من لم يعرف مقاصدهما لم يحل له أن يتكلم فيهما إذ لا يصح له نظر حتى يكون عالما بهما, فإنه إذا كان كذلك لم يختلف عليه شيء من الشريعة. [2]
وقال العز بن عبد السلام: فإذا سمعت الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ؛ فتأمل وصيته بعد ندائه, فلا تجد إلا خيرا يحثك عليه أو شرا يزجرك عنه, أو جمعا بين الحث والزجر, وقد أبان في كتابه ما في بعض الأحكام من المفاسد حثا على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الموافقات 3/ 346.
[2] المصدر السابق 3/ 31.