على أن مما ينبغي التنبيه عليه: أن استنباط الحِكَم والمقاصد ليس قاصرًا على مسالك التعليل, ولكن أبوابه أوسع منها. فقد يكون الاستنباط من النصوص بضم بعضها إلى بعض, وربط بعضها ببعض, كما يكون بمعرفة المقام وأسباب النزول والورود, وكذلك النظر في السياق والسباق الذي ورد فيه النص والحكم.
وقد نبه على ذلك ابن القيم عند بيانه لأقسام الناس في الهدى والفقه, فذكر منهم:"أهل الفقه فيه والفهم والتعليم, وهم الأئمة الذين عقلوا عن الله تعالى كتابه, وفهموا مراده وبلغوه إلى الأمة واستنبطوا أسراره وكنوزه, فهؤلاء مثل الأرض الطيبة التي قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير, فرعى الناس فيه ورعت أنعامهم, وأخذوا من ذلك الكلأ الغذاء والقوت والدواء وسائر ما يصلح لهم" [1] .
ومن ذلك: ما كان من استنباط الصديق / 3 وعمر / 3 والعباس / 3 وابنه وغيرهم من الصحابة , أن في نزول قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر] , نعي رسول الله - صلى الله عليه وسلم / [2] -, وكما قال الصديق لما سمعها من النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر:"فديناك بآبائنا وأمهاتنا" [3] , ففهم الصحابة القصد في الآية, وهو اقتراب أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- [4] .
وخلاصة هذه القاعدة: أن الاستنباط من أهم الطرق التي يتوصل بها إلى معرفة قصد الشارع, وذلك بنص الشارع على تلك العلل, أو عن طريق استخراجها بتتبع مسالك التعليل المختلفة التي وضحناها, وقد جمع الشاطبي بين قسمي مسالك التعليلموضحًا أنها تدل على المصالح وتكشف عنها بقوله:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] اجتماع الجيوش الإسلامية 27.
[2] رواه البخاري 4/ 204 (3627) ، 5/ 149 (4294) ، 6/ 9 (4430) ، 6/ 179 (4969) (4970) .
[3] رواه البخاري 5/ 57 (3904) ، ومسلم 4/ 1854 (2382) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وهو جزء من حديث أوله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبرفقال:"إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده. . . ."الحديث.
[4] انظر: التحرير والتنوير للطاهر ابن عاشور 1/ 95 وغيرها.