نهيتكم لأجل الدافة التي دفت, فكلوا واشربوا وتصدقوا وتزودوا" [1] , فعلة النهي عن ادخار اللحوم وفق ما يتضح من الحديث هي: الدافة التي تحتاج إلى الطعام, والدافة هي الجماعة من الناس تقبل من بلد إلى بلد, وهم في شدة الجوع والحاجة والفقر, ويفهم من هذه العلة أن مقصود الشارع هو النجدة والتكافل؛ فكانت العلة بذلك معينة على تبين مقصود الشارع من تشريع الحكم ذاته."
النص الظاهر ر: وهو ما يدل على العلية دلالة ظاهرة, كقوله تعالى: {أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء 8] , فاللام في {لِدُلُوكِ} لام التعليل, والدلوك لا يصلح أن يكون علة, وإنما نصبه الشرع علامة للوجوب وسببًا له, والسبب يطلق ويراد به العلة.
وقوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد 1] , فدلت العلة في الآية - وهي الابتلاء والتمحيص - على قصد الشارع إلى أن يتميز الصادق من الكاذب, والمؤمن من المنافق, وهكذا دلت العلة على مقصود الشارع.
على أن الفرق بين النص الصريح والنص الظاهر: أن الأول لا يحتمل غير العلية؛ لأن أدواته وحروفه لا تستعمل إلا في التعليل, فلا يُصرف عن العلية إلا بقرينة ودليل على عدم إرادة التعليل, والثاني يحتمل العلية وغيرها, لأن حروفه تستعمل في التعليل وفي غير التعليل, وهذا ما جعلها محتملة للوجهين. [2]
وأما الإجماع على العلة: فيراد به إجماع الأمة في عصر من العصور على كون الوصف الجامع علة لحكم الأصل. وذلك كإجماعهم على كون الصغر علة لثبوت الولاية على الصغير, في قياس ولاية النكاح على ولاية المال. [3]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه مسلم في"صحيحه""كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء 3/ 1651/رقم 1971"عن عبد الله بن واقد رضي الله عنه مرفوعا.
[2] للمزيد من التفصيلات انظر: قواعد باب القياس من قسم القواعد الأصولية.
[3] انظر: الإحكام للآمدي 3/ 251.