لأن العادات أمر آخر كما سيأتي وقد مر شيء منه. فلم يبق إلا أن تكون المصلحة الظاهرة الآن مساوية للمصلحة الموجودة في زمان التشريع أو أضعف منها, وعند ذلك تصير الأحداث عبثًا أو استدراكًا على الشارع؛ لأن تلك المصلحة الموجودة في زمان التشريع إن حصلت للأولين من غير هذا الإحداث فهي إذًا عبث؛ إذ لا يصح أن يحصل للأولين دون الآخرين, فقد صارت هذه الزيادة تشريعًا بعد الشارع بسبب الآخرين ما فات الأولين, فلم يكمل الدين إذًا دونها, ومعاذ الله من هذا المأخذ. وقد ظهر من العادات الجارية فيما نحن فيه أن ترك الأولين لأمرٍ ما من غير أن يعينوا فيه وجهًا مع احتماله في الأدلة الجملية ووجود المظنة دليلٌ على أن ذلك الأمر لا يعمل به, وأنه إجماع منهم على تركه) [1] .
وقد وضع ابن تيمية ضابطًا للمصالح المعتبرة وغير المعتبرة؛ مميزًا بينها وبين البدع, فقال: (والضابط في هذا -والله أعلم- أن يقال: إن الناس لا يحدثون شيئًا إلا لأنهم يرونه مصلحة, إذ لو اعتقدوه مفسدة لم يحدثوه. فإنه لا يدعو إليه عقل ولا دين.
فما رآه المسلمون مصلحةً نظر في السبب المحوج إليه, فإن كان السبب المحوج إليه أمرًا حدث بعد النبي (من غير تفريط منا, فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه. وكذلك إن كان المقتضي لفعله قائما على عهد رسول الله (لكن تركه النبي (لمعارضٍ قد زال بموته. وأما ما لم يحدث سبب يحوج إليه, أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد, فهنا لا يجوز الإحداث, فكل أمرٍ يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله(موجودًا لو كان مصلحة ولم يفعل يعلم أنه ليس بمصلحةٍ, وأما ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصية الخالق فقد يكون مصلحة) . [2]
وفي سياق بيان هذه القاعدة ينبغي التنبيه على أمر مهم: وهو ضرورة التفريق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الاعتصام 1/ 389 - 390 ط 1 دار الفضيلة بالرياض.
[2] اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية، ط 2 مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة 1/ 279.