فإذا نظرنا في كون الشرع - مثلا - يحث على تطهير الأبدان وما يتصل بها, وجوبا وندبا, ووجدنا أن التطهير والتنظيف, بمختلف صوره وأشكاله ومَحالِّه, هو سبب محقق لحفظ الصحة البدنية, وسبب لجلب الراحة النفسية, فضلا عن كونه هو اللائق بمقام العبادة, فإننا نستطيع أن نقول: إن كل هذه المسببات مقصودة للشارع, ما دام قد شرع أسبابها, بل أمر بها.
... وإذا كانت القاعدة تنصرف أساسا وغالبا إلى الأسباب المطلوبة والمباحة في الشرع, فتكون مسبباتها على وفقها في القصد والطلب, فإن العكس بالعكس, أي أن القاعدة تنطبق عكسا على الأسباب المحظورة في الشرع. ذلك أن حظر الأسباب يدل على القصد إلى اجتناب مسبباتها وآثارها المعتادة.
وإذا كانت القاعدة عند جمهور الأصوليين هي أن"النهي يقتضي الفساد" [1] , فإن فساد المنهي عنه, إنما هو لفساد المسببات الناجمة عنه. لذلك لا بد أن يكون الناهي عن سبب ما قاصدا إلى منع مسببه أو مسبباته المعهودة. فمن هنا يمكننا القول أيضا: إن جميع المنهيات الشرعية التي هي أسباب لمسببات ملازمة لها, تدل على قصد الشارع إلى درء تلك المسببات وتجنيب الناس إياها.
فالنهي عن الوطء في الحيض, مقصود به درء كل ما يثبت - بالطب والتجربة - أنه ضرر أو أذى ينجم عنه في المعتاد, سواء تعلق بالرجل أو بالمرأة أو بهما معا, لأن منع السبب يدل على القصد إلى منع مسبَّباته.
والنهي عن بيع الثمار قبل بُدُوِّ صلاحها, مقصود به منعُ كل الأضرار والمنازعات الناجمة عادة عن مثل هذا البيع, كالجناية على الثمار بجنيها قبل استكمال نضجها, أو وقوعِ الجوائح إبان انتظار النضج, أو حصولِ الغبن ونشوب الخصومة بين البائع والمشتري ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظرها بلفظها في قسم القواعد الأصولية.