أدلة القاعدة:
1 -أول ما يتأسس عليه الاستدلال لهذه القاعدة, هو ما تقدم بيانه مرارا - في قواعد سابقة - من كون الشريعة إنما جاءت بجلب المصالح للعباد ودرء المفاسد عنهم. فما من حكم من أحكامها إلا مِن ورائه مصالح يجلبها أو مفاسد يدفعها. والشرع قد يصرح في بعض أحكامه بالمصالح المستجلبة والمفاسد المستدفعة, أو بجزء منها, وقد يسكت ويترك ذلك كله للتدبر والتفقه والاستنباط.
... والنظر في النهج الاستصلاحي للشريعة هو الذي جعل العلماء يعللون أحكامها بالمناسبات المصلحية ولو لم يكن فيها نص وتصريح من الشارع. فكلما وجدوا مصلحة مناسبة تتحقق بفضل حكم من أحكام الشريعة, حكموا بكونها علة ومقصدا لذلك الحكم. وهذا ما يسمى"مسلك المناسبة" [1] ضمن مسالك التعليل. قال الفخر الرازي:"لما تأملنا الشرائع وجدنا الأحكام والمصالح متقارنين لا ينفك أحدهما عن الآخر, وذلك معلوم بعد استقرار أوضاع الشرائع."
وإذا كان كذلك كان العلم بحصول هذا مقتضيا ظنَّ حصول الآخر وبالعكس, من غير أن يكون أحدهما مؤثرا في الآخر وداعيا إليه. فثبت أن المناسبة دليل العِلِّية" [2] . ثم بين كون المصلحة المناسبة تفيد تعليل الحكم بها بيانا مستفيضا قال في بدايته:"المناسبة تفيد ظن العلية, والظن واجب العمل به [3] . بيان الأول من وجهين: الأول أن الله تعالى شرع الأحكام لمصلحة العباد, وهذه مصلحة, فيحصل ظنُّ أن الله تعالى إنما شرعه لهذه المصلحة" [4] "
... فهذا هو الدليل العام لهذه القاعدة, وهو مستند إلى ما هو علمناه وعهدناه من وجود مقاصد مصلحية لعموم أحكام الشريعة. وهو الدليل الذي أورده الشاطبي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] سيأتي بيانه في قواعد القياس من القسم الأصولي.
[2] المحصول للرازي 5/ 179.
[3] يقصد الظن العلمي المترجح بأدلته.
[4] المحصول للرازي 5/ 172.