فهرس الكتاب

الصفحة 2735 من 19081

وهذه القاعدة تتبوأ مكانة كبرى في إخراج الاجتهاد المقاصدي من حالة العقم والكمون في سجن الدرس النظري إلى حال الإنتاج؛ بدخول الاجتهاد المقاصدي مرحلة المستقِلات العقلية؛ بناء على أن المصلحة هي العلة الكبرى التي استنبطت بالاستقراء المعنوي, وهذا يعني ضرورة الدخول في مرحلة التحسين والتقبيح العقلي [1] ؛ للحكم على المصالح والمفاسد حكما تجريبيا مُعتمِدًا على العقل العمليِّ.

ومن أبرز مجالات إعمال العقل في رصد تغير المصالح والمفاسد, والنظر في الأحكام الاجتهادية تبعا لذلك التغيُّرِ [2] ـ: ما كان من التشريعات معقول المعنى مما يهدف إلى تحقيق مصالح المكلفين , لا سيما ما كان منها مرتبطا بالأعراف والتقاليد مما يختلف بحسب ما يصلح كل قوم, ومن مظاهر هذه الخاصية أبواب العادات؛ كالمعاملات, وأبواب العقوبات التقديرية (التعازير) , وباب السياسة الشرعية التي يعتمد تشريعها على إثبات المبادئ الكلية والأصول العامة, ثم أطلق لولي الأمر بعد ذلك النظر في التفاصيل التنفيذية والإجرائية [3] .

وقد ارتبطت هذه القاعدة بعدد من القواعد بعلاقات مختلفة؛ ومن ذلك:

قاعدة: (( الحكم يدور مع علته وجودا وعدما ) )؛ فالمصالح علة الأحكام, والفتوى بيان الحكم؛ فكان من نتيجة ذلك أن الفتوى تتبع المصالح وجودا وعدما.

وقاعدة: (( النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا ) )؛ لأنها دليل لقاعدة البحث؛ فإن تغير الفتوى بتغير المصالح والمفاسد إنما هو تطبيق عملي لقاعدة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ينبغي لفت الانتباه إلى أن استعمال الحكم العقلي في هذا السياق ينطوي على تسامح؛ إذ ليس المقصود أن العقل حاكم في مقابل حكم الله تعالي؛ كما قد يُتَوَهَّم، بلِ الحكم هنا معناه الكشف والإدراك فيما كان راجعا إلى الجانب التشريعيِّ، أو يراد حاكمية العقل فيما سمح الشرع للعقل بالاجتهاد فيه؛ خاصةً ما كان راجعا إلى الخبرة العملية الفنية في تقدير الصلاح والفساد. انظر: مباحث الحكم عند الأصوليين لمحمد سلام مدكور ص 162.

[2] انظر هذا المعنى في: نظرية المقاصد عند الشاطبي ص 236.

[3] انظر: خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم للدريني ص 188 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت