ففي هذه الحالة يكون من الطبيعي أن (تَحدُث للناس أقضية) على وفق ما يستدعيه الفجورُ الجديد الذي ظهر في سلوكهم.
وأما (الأقضية) : فهي الأحكام والتدابير التي يُقضَى بها لمعالجة الفجور الطارئ. قال صاحب (كفاية الطالب) :" (تَحدُث) : أي تَظهر (للناس أقضية) , أي أحكام مستنبطة بحسب الاجتهاد مما ليس فيه نص" [1] .
ومعناه أن القضاة وولاة الأمور وعمومَ المجتهدين لا ينبغي لهم أن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام ما يجدُّ ويطرأ على السلوك العام من آفات وانحرافات ومظالم وأساليب إفسادية لم تتقدم ولم يرد فيها حكم شرعي منصوص, بل من حقهم - ومن واجبهم - أن يستنبطوا من الشريعة وقواعدها ومقاصدها الأحكام المناسبة لضبط تصرفات الناس وكبح ما يغزوها من آفات واختلالات, سواء بوضع تقييدات أو شروط أو عقوبات إضافية ... وهكذا فكلما (أحدث) الناس سلوكا مختلا جديدا, (حدثَ) لهم فيه حكم جديد مناسب له.
... وعلى هذا, فالقاعدة تختص بالتصرفات الجديدة السيئة الضارة. يدل على ذلك وصف السلوك الطارئ - في معظم صيغ القاعدة - بالفجور. كما أنه مستفاد من التعبير - في جميع صيغها - بلفظ (أحدثوا) . والإحداث - مِنْ أَحْدَثَ يُحْدث فهو مُحْدِث - إذا أُطلق يراد به الأمور القبيحة المستنكرة. وقد جاء هذا المعنى في جملة أحاديث صحيحة منها:
-عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"/مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رَدٌّ /." [2] - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «/لَيَرِدَنَّ عليَّ الحوضَ رجالٌ ممن صاحبني, حتى إذا رأيتهم ورُفعوا إلي اختلجوا دوني, فلأقولن: أي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] كفاية الطالب لأبي الحسن المالكي 2/ 442، تحقيق يوسف الشيخ محمد البقاعي، نشر دار الفكر بيروت، 1412.
[2] صحيح البخاري.