أو أرشد إليها. وأما مراسم الشرع ع: فمعالمه وحدوده المرسومة للناس.
... وعليه فالقول بحجية المصالح المرسلة, أو الاستصلاح, والقول برعاية المصلحة عموما, له حدوده وقواعده وضوابطه, فلا يصح ولا يقبل إلا بها.
... فمن المعلوم أن مراعاة المصلحة يُحتاج إليها في أبواب واسعة ومجالات شاسعة, بل إنها تدخل في جميع أبواب التشريع وجميع مجالات الحياة. ودعاوى المصلحة لا نهاية لها, وللناس - عامتهم وخاصتهم- في تقدير المصالح وادعائها ما لا ينحصر وما لا ينضبط من المقاييس والاعتبارات والأولويات. فما يراه بعض الناس خيرا ومصلحة, هو نفسه يراه غيرهم شرا ومفسدة. بل الشخص الواحد قد يَعتبر اليوم مصلحةً ما كان يراه بالأمس مفسدة, والعكس صحيح أيضا ...
... فلذلك كان لابد للمصالح من موازين ومعايير, حتى لا تصبح مجرد أمزجة وأهواء, أو مجرد تخمينات وتقديرات ذاتية ظرفية.
... قال الشاطبي:"المصالح التي تقوم بها أحوال العبد لا يعرفها حق معرفتها إلا خالقها وواضعها, وليس للعبد بها علم إلا من بعض الوجوه. والذي يخفى عليه منها أكثر من الذي يبدو له. فقد يكون ساعيا في مصلحة نفسه من وجه لا يوصله إليها, أو يوصله إليها عاجلا لا آجلا, أو يوصله إليها ناقصة لا كاملة, أو يكون فيها مفسدة تُرْبِي في الموازنة على المصلحة, فلا يقوم خيرها بشرها."
وكم من مُدَبِّرٍ أمرًا لا يتم له على كماله أصلا, ولا يجني منه ثمرة أصلا, وهو معلوم مشاهد بين العقلاء. فلهذا بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ..." [1] "
وهذا يَرُدُّ ويُبطل ما ذهب إليه نجم الدين الطوفي [2] من تقديم المصلحة على النص إذا تعارضا, واعتبارِه أن المصلحة"أمر حقيقي في نفسه ولا يُختلف فيه, فهو سبب الاتفاق المطلوبِ شرعا, فكان اتباعه أولى" [3]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الموافقات 1/ 349.
[2] نجم الدين الطوفي فقيه وأصولي حنبلي، توفي سنة 716 ه-.
[3] كتاب التعيين في شرح الأربعين ص 259/ 260 - تحقيق أحمد حاج محمد عثمان - نشر مؤسسة الريان ببيروت والمكتبة المكية بمكة - الطبعة الأولى 1419/ 1998.