فهرس الكتاب

الصفحة 2769 من 19081

بل ثبت في التاريخ أن البشرية برمتها لا تكاد تهتدي إلى أجناس كاملة من المصالح, فضلا عن الاهتداء والرشاد في ممارستها, بتفاصيلها وجزئياتها. فالاهتداء إلى مصالح الإيمان بالله تعالى وتوحيده, والإيمان بالدار الآخرة, ومصالحِ العبادات, وكثير من الآداب والأخلاق والقيم, لم تعرفه البشرية ولم تسعد به إلا من طريق الرسل والرسالات, وإن كان قد يهتدي إلى مجمل ذلك أفراد من الناس. وهذا ما يشير إليه قول القرافي:"الشرع يحيط بجزئيات من المصالح لا يحيط بها العقل, كما في أنواع العبادات ومقاديرها وتنوع أسبابها" [1] وقولُ ابن القيم:"وبالجملة فللشارع في أحكام العبادات أسرار لا تهتدي العقول إلى إدراكها على وجه التفصيل, وإن أدركتها جملة" [2] .

... ومسلك العدل والاعتدال, الذي سلكه العلماء الراسخون, هو مسلك رعاية المصالح والاحتجاجِ بها, وعدمِ إهدارها, بما فيها تلك التي يدركها الناس بفطرتهم وبعقولهم وتجاربهم, ولكن مع إخضاعها لضوابط الشرع ومراسمه عموما, وللقواعد والضوابط المصلحية خصوصا.

... وأول مَعْلَم في ذلك هو التمسك بأولوية المصالح المنصوصة وكونِها مقدمة, بل حاكمة, على المصالح المرسلة, إيمانا بأن كل ما شرعه الله تعالى ونص عليه,"فهو مصلحة وإحسان وخير", كما يقول الفخر الرازي. [3]

... فتقديم المصلحة على النص لا يمكن أن يكون رعاية للمصلحة, وإنما هو إهدار لمصلحة حقيقية راجحة, جريا وراء مصلحة متوهمة أو مرجوحة. قال الشيخ محمد أبو زهرة:"المصلحة التي تعارض النص هي من قبيل الأهواء النفسية والانحرافات الفكرية, وهي تحكيم للأهواء في النصوص الدينية وجعلُها حاكمة على هذه النصوص بالبقاء أو الإنهاء" [4] .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] نفائس الأصول في شرح المحصول للقرافي 1/ 402، بتحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض - نشر المكتبة العصرية، بيروت - الطبعة الثالثة - 1420/ 1999.

[2] إعلام الموقعين 2/ 107.

[3] تفسير الرازي 15/ 202.

[4] أصول الفقه ص 329 - نشر دار الفكر العربي بالقاهرة - 1417/ 1997.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت