فهرس الكتاب

الصفحة 2835 من 19081

ولا يعدل عن هذا الأصل إلا عندما يتعذر تبيُّن مصلحة الحكم العادي ومعناه؛ فبترُ أحكام العادات والمعاملات عن معانيها وعللها يجعل منها أحكاما تعبدية, بينما هي في حقيقتها وفي قصد الشارع منها ليست كذلك, ولذا قال الشيخ ابن عاشور:"وكان حقا على أئمة الفقه أن لا يساعدوا على وجود الأحكام التعبدية في تشريع المعاملات, وأن يوقنوا بأن ما ادعي التعبد فيه إنما هو أحكام قد خفيت عللها أو دقت, فإن كثيرا من أحكام المعاملات التي تلقاها بعض الأئمة تلقي الأحكام التعبدية قد عانى المسلمون من جرائها متاعب جمة في معاملاتهم, وكانت الأمة منها في كبَد على حين يقول الله تعالى:"وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" [الحج 8] . وعلى الفقيه أن يجيد النظر في الآثار التي يتراءى منها أحكام خفيت عللها ومقاصدها ويمحِّص أمرها؛ فإن لم يجد لها محملا من المقصد الشرعي, نظر في مختلف الروايات لعله أن يظفر بمسلك الوهم الذي دخل على بعض الرواة فأبرز مرويّه في صورة تؤذن بأن حُكمه مسلوب الحِكمةِ والمقصد, وعليه أيضا أن ينظر إلى الأحوال العامة في الأمة التي وردت تلك الآثار عند وجودها" [1] , وانتهى ابن عاشور في هذا الموضوع إلى أنه"إذا جاز أن نثبت أحكاما تعبدية لا علة فيها ولا يطلع على علتها, فإنما ذلك في غير أبواب المعاملات المالية والجنائية. فأما هذه فلا أرى أن يكون فيها تعبدي, وعلى الفقيه استنباط العلل فيها." [2]

وإن دوران أحكام العادات مع المصالح المدركة المعقولة يقتضي توسيع دائرة الاجتهاد في فهم النصوص المتعلقة بهذا النوع من الأحكام, ثم في التفريع عليها من خلال المناهج الاجتهادية المختلفة كالقياس والمصلحة المرسلة, باعتبار أن هذه المناهج تستند على إدراك علة الحكم وفهم معناه ومصلحته.

كما يقتضي هذا الأصل أيضا, أن يكون الأصل في العادات هو الإباحة وليس الحظر

, ما لم يرد صارف من الشرع, لأن مبنى العادات هو اتباع المصالح

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] مقاصد الشريعة لابن عاشور ص 245.

[2] مقاصد الشريعة لابن عاشور ص 247.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت