حِكَمِها ومصالحها فإنه قد تأتي فيها بعض الأحكام التي لا تفهم مصالحها التفصيلية ولا يعقل وجه الحكمة فيها, كأعداد الجلدات في حدي الزنا والقذف, أو مدة العدة للمطلقة أو المتوفى عنها زوجها, أو الفروض المقدرة بالمواريث, فمثل هذه المقدرات لا تدرك حِكَمها الجزئية ومصالحها التفصيلية, ولذا كانت تعبدية بهذا الاعتبار, فإذا كانت مصالح الحدود والعدة الشرعية والمواريث مفهومة معلومة, فإن مصلحة التقدير فيها خفية وغير ظاهرة.
على أنه يمكن أن تفهم لهذه المقدرات حكمة ومصلحة إجمالية وذلك باعتبار أن الشارع قد قصد بها ضبط وجوه المصالح, فلو أوكل تقدير هذه الأحكام إلى المكلفين لأدّى إلى ضياع مصلحة الحكم نفسه أو إلى اضطرابها وعدم استقرارها, وقد وضّح الشاطبي هذا المعنى بقوله:"وأما العاديات - أي المقدرات فيها - وكثير من العبادات أيضا فلها معنى مفهوم وهو ضبط وجوه المصالح؛ إذ لو ترك الناس والنظرَ لانتشر ولم ينضبط, وتعذر الرجوع إلى أصل شرعي, والضبط أقرب إلى الانقياد ما وجد إليه سبيل. فجعل الشارع للحدود مقادير معلومة وأسبابا معلومة لا تتعدى؛ كالثمانين في القذف والمائة وتغريب العام في الزنا على غير إحصان, وخصّ قطع اليد بالكوع والنصاب المعين وجعل مغيب الحشفة حدا في أحكام كثيرة, وكذلك الأشهر والقروء في العدد والنصاب والحول في الزكوات." [1] وقد تم بيان هذا المعنى في القاعدة ذات الصلة"قصد الشارع ضبط الخلق إلى القواعد العامة." [2]
وتظهر أهمية القاعدة محل البحث في أنها توجِّه أنظار المجتهدين إلى البحث عن المعاني الكامنة وراء أحكام العادات والمعاملات في سبيل فهمها فهما صحيحا والوقوف على قصد الشارع منها, ومن ثم التفريع والتخريج عليها في المسائل والوقائع الجديدة, فالأصل في تلك الأحكام أن تكون لها معان مدركة ومعقولة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الموافقات 2/ 308 - 309.
[2] انظرها في قسم القواعد المقاصدية.