بيَّن فيه أدلتها التي تنهض بحجيتها إذ قال:"وأما أن الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني فلأمور:"
أولها الاستقراء: فإنا وجدنا الشارع قاصدا لمصالح العباد, والأحكام العادية تدور معها حيثما دارت. فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة, فإذا كان فيه مصلحة جاز؛ كالدرهم بالدرهم إلى أجل يمتنع في المبايعة ويجوز في القرض, وبيع الرطب باليابس يمتنع حيث يكون مجرد غرر وربا من غير مصلحة ويجوز إذا كان فيه مصلحة راجحة. ولم نجد هذا في باب العبادات مفهوما كما فهمناه في العادات, وقال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِيْ الأَلْبَابِ} [البقرة 79] وقال: {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [البقرة 88] , وفي الحديث:"/لا يقضي القاضي وهو غضبان /"وقال:"/لا ضرر ولا ضرار /"وقال:"/القاتل لا يرث /""/ونهى عن بيع الغرر"وقال:"/كل مسكر حرام /"وفي القرآن: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [المائدة 1] , إلى غير ذلك مما لا يحصى, وجميعه يشير بل يصرح باعتبار المصالح للعباد, وأن الإذن دائر معها أينما دارت حسبما بينته مسالك العلة, فدل ذلك على أن العادات مما اعتمد الشارع فيها الالتفات إلى المعاني." [1] "
وقبل الشاطبي نبّه الغزالي إلى معنى هذه القاعدة حيث بيَّن أن"ما يتعلق من الأحكام بمصالح الخلق من المناكحات والمعاملات والجنايات والضمانات؛ وما عدا العبادات, فالتحكم فيها نادر, وأما العبادات والمقدَّرات؛ فالتحكمات فيها غالبة, واتباع المعنى نادر" [2] والمقصود بالتحكم: خفاء وجه المصلحة والحكمة في تلك الأحكام, ففي العادات التحكم نادر وقليل, وفي العبادات التحكم غالب وكثير.
هذا, ورغم أن الأصل في الأمور العادية الالتفات إلى المعاني وإدراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الموافقات 2/ 305 - 306.
[2] شفاء الغليل ص 203.