فهرس الكتاب

الصفحة 2871 من 19081

وقد استدلّ الشاطبي لهذه القاعدة بجملة من الأدلة العقلية يمكن عرضها بإجمال على النحو التالي [1] :

2 -أن معنى الاقتضاء أو التخيير لازم للمكلف من حيث هو مكلف, عرف المعنى الذي لأجله شرع الحكم أو لم يعرفه, فالواجب عليه الامتثال والانقياد, بخلاف اعتبار المصالح فإنه غير لازم؛ فإنه عبد مكلف, فإذا أمره سيده لزمه امتثال أمره باتفاق العقلاء, بخلاف المصلحة فإن اعتبارها غير لازم له من حيث هو عبد مكلف على رأي المحققين. وإذا كان كذلك فالتعبد لازم لا خيرة فيه, واعتبار المصلحة فيه الخيرة. وما فيه الخيرة يصح تخلفه عقلًا, وإذا وقع الأمر والنهي شرعًا لم يصح تخلفهما عقلًا؛ فإنه محال. فالتعبد بالاقتضاء أو التخيير لازم بإطلاق سواء كان الحكم تعبديًّا أو معقولًا, واعتبار المصالح غير لازم بإطلاق, في الأحكام التعبدية وكذلك المعقولة.

3 -أنا إذا فهمنا بالاقتضاء أو التخيير حكمة مستقلة في شرع الحكم, فلا يلزم من ذلك أن لا يكون ثَمَّ حكمة أخرى ومصلحة ثانية وثالثة وأكثر من ذلك ... فالقضاء بالتعدي لا ينافي جواز التعبد؛ لأن القياس قد صح كونه دليلًا شرعيًّا, ولا يكون شرعيًّا إلا على وجه نقدر على الوفاء به عادة؛ وذلك إذا ظهر لنا علة تصلح للاستقلال بشرعية الحكم, ولم نكلف أن ننفي ما عداها؛ فإن الأصوليين مما يجوزون كون العلة خلاف ما ظهر لهم, أو كون ذلك الظاهر جزء علة لا علة كاملة, لكن غلبة الظن بأن ما ظهر مستقل بالعلية, أو صالح لكونه علة, كافٍ في تعدي الحكم به. وأيضًا فقد أجاز الجمهور تعليل الحكم الواحد بأكثر من علة واحدة, وكل منهما مستقل, وجميعها معلوم, فنعلل بإحداها مع الإعراض عن الأخرى, وبالعكس, ولا يمنع ذلك القياس, وإن أمكن أن تكون الأخرى في الفرع أو لا تكون فيه. وإذا لم يمنع ذلك فيما ظهر, فأولى أن لا يمنع فيما لم يظهر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: هذه الأدلة بالتفصيل في الموافقات 2/ 310 - 317.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت