4 -أن المصالح في التكليف ظهر لنا من الشارع أنها على ضربين: أحدهما: ما يمكن الوصول إلى معرفته بمسالكه المعروفة؛ كالإجماع, والنص, والإشارة, والسبر, والمناسبة, وغيرها. وهذا القسم هو الظاهر الذي نعلل به, ونقول إن شرعية الأحكام لأجله.
والثاني: ما لا يمكن الوصول إلى معرفته بتلك المسالك المعهودة, ولا يطلع عليه إلا بالوحي؛ كالأحكام التي أخبر الشارع فيها أنها أسباب للخصب والسعة وقيام أبهة الإسلام. وكذلك التي أخبر في مخالفتها أنها أسباب العقوبات وتسليط العدو, وقذف الرعب, والقحط, وسائر أنواع العذاب الدنيوي, والأخروي.
وإذا كان معلومًا من الشريعة في مواطن كثيرة أن ثم مصالح أخر غير ما يدركها المكلف, ولا يقدر على استنباطها, ولا على التعدية بها في محل آخر؛ إذ لا يعرف كون المحل الآخر وهو الفرع وجدت فيه تلك العلة البتة, لم يكن إلى اعتبارها في القياس سبيل, فبقيت موقوفة على التعبد المحض؛ لأنه لم يظهر للأصل المعلل بها شبيه إلا ما دخل الإطلاق أو العموم المعلل, وإذ ذاك يكون أخذ الحكم المعلل بها متعبدًا به. ومعنى التعبد به الوقوف عندما حد الشارع فيه, من غير زيادة ولا نقصان.
وقد مثل لذلك الشيخ عبد الله دراز بقول الله تعالى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} [نوح: 10 - ] , فالاستغفار هنا لا يمكن اتخاذه علة -أيضًا- في قوة الأبدان وسعة العلم, وغير ذلك, فلا يقاس على الإمداد بالأموال والبنين.
وبقوله تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46] , فلا يقاس على الفشل وذهاب القوة والعزة ذهاب القوة البدنية والأموال وغيرها؟ , فهذه الأسباب ذكرها الشرع عللًا لأحكام, لكنها لا تعلم إلا من جهته, فلا يدخل فيها القياس والتفريع؛ لأنها وإن كانت أحكامًا عادية إلا أن عللها ليست مما تدرك