ـ قولهم السلم على خلاف القياس؛ لأنه بيع المعدوم غير مسلَّم؛ بل هو على وَفْقِهِ؛ فإنه كالابتياع بثمن مؤجل, وأيُّ فرْق بين كون أحد العوضين مؤجلا في الذمة وبين الآخر؟! بل هو على وَفْقِ القياس ومصلحةِ الناس [1] .
فهذه الفروع وغيرها كثير يدل على أن علة القياس الكبرى الراجحة على ما يعارضها هي تحقيق مصالح الناس ودفع المشاقِّ والحرج عنهم, فما تخلَّف عنه هذا الوصفُ من الأحكام فهو الخارج عن القياس الصحيح حقًّا, أما ما خالف حكمَ أصله؛ تحصيلا لمصالح المكلفين, أو دَفْعًا للمشاقِّ عنهم, فهو الجاري حقا على وَفْقِ القياس, الملائم لمقاصد الشارع في جملة من التكاليف [2] .
(2) الاستثناء لا يكون نقضا على أصله [3] ولا قادحا فيه إلا عند عدم المانع من الإلحاق:
أما إن وجد المانع من الإلحاق في صورة النقض فلا يقدح في كلية أصله واطرادِهِ [4] , وعلى ذلك فخروج بعض الفروع عن حكم أصلها لموجب لا يعد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] فتح القدير لابن الهمام 7/ 71.
[2] في هذا المعنى قال الشاطبي بحقٍّ: (الأحكام الخمسة إنما تتعلق بالأفعال والتروك بالمقاصد، فإدا عريت عن المقاصد لم تتعلق بها) . انظر: الموافقات 1/ 149، واستدل على هذه القاعدة بأدلة متنوعة انظرها في الموضع نفسه، وانظر أيضا: تهذيب الفروق للمالكي 2/ 77.
[3] النَّقْضُ: عبارة عن تخلُّفُ الحكم مع وجود ما ادُّعِيَ كونُهُ عِلةً له. انظر: الإحكام للآمدي 4/ 118، معجم اصطلاحات الفقهاء لعميم الإحسان المجددي (مطبوع ضمن قواعد الفقه) 533، وقد يقال في تعريفه إنه: (عبارة عن إبداء الوصف الذي ادعى المستدِلُّ حُجَّةَ عِلِّيَّتِهِ في بعض الصور مع تخلُّف الحكم عنه فيها، وربما يعبر عنه معبرون بتخصيص العلة) ، الإبهاج لابن السبكي 3/ 84، أو هو: (وجود الوصف بدون الحكم) . وانظر تعريف النقض في: البرهان للجويني 2/ 652، أصول السرخسي 2/ 233، قواطع الأدلة للسمعاني 4/ 351. ويسمى النقض عند المتأخرين تخصيصَ العلة، وهذه التسمية جارية على لسان من يرى جواز تخصيص العلة. انظر: رفع الحاجب للسبكي 4/ 191، تحفة المسئول للرهوني 4/ 38، البحر المحيط للزركشي 5/ 261، الغيث الهامع للعراقي 3/ 739.
[4] انظر في ذلك: شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 430.