فهرس الكتاب
وقد ذكر الإمام الشاطبي أن لأصل سد الذرائع نَظَرَيْنِ:
نظر من جهة تشعبه وانتشار وجوهِهِ؛ كما في المذهب المالكي , فبناء على هذا النظر, ينبغي الاقتصار على نص عليه الشرع من سد للذرائع, تجنبا للوقوع فيما لا ينضبط.
ونظر من جهة أن له ضوابطَ قريبةَ المأخذ, وقد فهم من الشرع الالتفات إلى كليه؛ فليجر الاجتهاد به في مظانه, وقد منع الشارع كثيرا من الأشياء لجَرِّها إلى منهيٍّ عنه, والتوسُّلِ بها إليه, وهو على هذا أصل مقطوع به على الجملة قد اعتبره السلف الصالح فلا بد من اعتباره [1] .
وأصل سد الذرائع ليس مُقَيَّدًا بقَيْدِ سَبْقِ القَصْد إلى الممنوع؛ بل ضابطه ما يؤدي إلى الفساد, سواء أَقَصَدَ المكلَّفُ من وراء فعله ارتكابَ المفسدة المترتبة عليه أم لم يقصد [2] ؛ فإن مبدأ سد الذرائع لا يعتبر النيات ولا ينظر إلى المقاصد الشخصية الفردية. [3] .
ومبدأ سد الذرائع من الأصول الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها, بنصوصها الأصلية الآمرة الناهية, ومقاومة خلافها؛ فهو من الأصول التي لا تتبدل بتبدل الزمان؛ بل هو من الأصول التي جاءت بها الشريعة لإصلاح الأزمان والأجيال [4] .
كما أن مبدأ سد ذرائع الفساد من القوانين الهامة التي ينبغي للمجتهد أن يراعيها في اجتهاده, فإن مبدأ سد ذرائع الفساد لكثرة فروعه باستقراء الكتاب والسنة نستطيع أن نخرج منها بمعنى كلي يجري مجرى العموم في الأفراد,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: الموافقات للشاطبي 2/ 309.
[2] قيد الإمام الشاطبيُّ رحمه الله مبدأ سد الذرائع بسبق القصد إلى الممنوع؛ كما في الموافقات 3/ 189، إلا أن تقييده هذا وارد في سياق مسألة ورود الأمر والنهي على متلازمينِ، أحدهما مأمور به والآخَر منهي عنه عند فرض الانفراد وكان أحدهما في حكم التبع للآخر وجودا أو عدما.
[3] انظر: الإمام مالك للشيخ محمد أبو زهرة 407.
[4] انظر: المدخل الفقهي للأستاذ الشيخ الزرقا 2/ 914، فقرة: 540.