عقاب أخروي, ولا أثر لها في ظاهر الأحكام الدنيوية؛ لأنها مبنية على الظاهر, اللهم إلا أن يصرح بالنية والقصد, أو يكون هناك ما يدل على ذلك, فحينئذ تترتب عليها أحكام دنيوية, وإلا فلا سبيل إلى معرفة السرائر, بل أمرها إلى الله تعالى, وهو الذي يجازي كل واحد على نيته, جل شأنه.
والشطر الأول من القاعدة, الذي يعني أن"صلاح العمل بصلاح النية" [1] ليس على إطلاقه, بل إن العمل فيه مقيد بأن يكون في أصله مشروعًا, أي موافقًا للشرع الذي أمر الله تعالى أن لا يعبد إلا به, وذلك إنما يكون بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به, وترك مخالفته. والدليل على هذا القيد قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [سورة الكهف: 110] , قال ابن كثير - رحمه الله تعالى:" {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ} أي: ثوابه وجزاءه الصالح. {فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا} أي: ما كان موافقا لشرع الله, {وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له, وهذان ركنا [2] العمل المتقبَّل: لابد أن يكون خالصًا لله, صوابًا على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم" [3] ولما أنكر ابن مسعود رضي الله عنه على المجتمعين اجتماعهم على ذكر الله بطريقة مبتدعة, واعتذروا بحسن نيتهم وأنهم لم يريدوا إلا الخير, قال لهم:"وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ" [4] , فلا يكفي حسن النية بمفرده لأن يكون العمل صالحًا مثابا عليه, بل لا بد مع ذلك من موافقته للشرع, فالمغنية التي تمدح رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بفعل محرم, قد تكون قصدت فعلًا عبادة الله بعملها والتقرب إليه به, وهو مدح رسوله - صلى الله عليه وسلم - من خلاله, ولكن شرط المتابعة غير موجود فيحبط عملها ويكون وبالًا عليها؛ لأن النية لا تصح بالباطل [1] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] عيون الحكم والمواعظ لعلي بن محمد الليثي الواسطي ص 304.
[2] يعني بالركنين موافقة العمل للشرع، والإخلاص فيه لله تعالى.
[3] تفسير ابن كثير" (4/ 108) ."
[4] رواه الدارمي 1/ 287 (210) .