فهرس الكتاب

الصفحة 3065 من 19081

عقب ذلك: كل امرأة لي طالق, ويقول: أردت غير المخاصمة, فيقبل منه ظاهرا وباطنا؛ لقوة إرادته بدلالة القرينة [1] .

واشتراط القرينة لتأثير النية في الاحتمال البعيد إنما هو في باب القضاء والحكم, أما فيما بينه وبين الله تعالى فتعتبر نيته, كما قال الفوراني الشافعي:"الأصل أن كل من أفصح بشيء وقبل منه, فإذا نواه قُبل فيما بينه وبين الله تعالى, دون الحكم" [2] , كمن أراد تخويف زوجته بالطلاق إن خرجت من دارها, فقال لها:"أنت طالق إن خرجت من الدار إلا بإذني", ونوى بقلبه: طالق من وثاق, فله نيته فيما بينه وبين الله تعالى, فإن خرجت لم تطلق ديانة؛ لأن المنوي من محتملات لفظه في الجملة, ولم يقبل منه ذلك في القضاء والحكم؛ لأنه احتمال بعيد يخالف ظاهر لفظه [3] .

أما إذا لم يكن اللفظ محتملا للمنوي أصلا فلا عبرة بالنية حينئذ, ولا يقبل قوله, قال الحموي:"إن نوى ما لا يحتمله لفظه لا يصدق ديانة ولا قضاء" [4] إذ"النية لتعيين محتمل اللفظ, لا لإثبات ما لا يحتمله" [5] , وقال العز بن عبد السلام:"من تأول شيئا من لفظه في تصرفاته من إقرار أو يمين أو تعليق فإن كان لفظه محتملا لما نواه قبل تأويله في الفتيا دون الحكم [6] , وإن لم يحتمله لفظه لم"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص 32؛ أسنى المطالب لزكريا الأنصاري 3/ 268؛ الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر الهيتمي 4/ 169؛ مغني المحتاج للخطيب الشربيني 4/ 504.

[2] الأشباه والنظائر للسيوطي ص 30 - 31.

[3] انظر: المبسوط للسرخسي 6/ 82؛ بدائع الصنائع للكاساني 3/ 101؛ الفروق للكرابيسي 1/ 194؛ كشاف القناع للبهوتي 5/ 247؛ مطالب أولي النهى للرحيباني 5/ 461.

[4] غمز عيون البصائر للحموي 1/ 162.

[5] كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري 1/ 126.

[6] كما إذا قال: إن أكلت طعاما أو شربت شرابا فامرأتي طالق، وقال عنيت اللحم أو الخبز فأكل غيره لا يصدق في القضاء، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن اللفظ يتناول بظاهره كل طعام فإذا نوى به بعض الأطعمة دون بعض فقد نوى الخصوص في اللفظ العام، وأنه يحتمله لكنه خلاف الظاهر؛ فلا يصدق قضاء، ويدين فيما بينه وبين الله عز وجل. انظر: بدائع الصنائع للكاساني 3/ 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت