والمراد بالعبادة في القاعدة إنما هو العبادة المحضة غير معقولة المعنى التي ليس فيها معنى إلا التقرب إلى الله بفعلها, وأما العبادة غير المحضة ويقال لها معقولة المعنى وهي التي تظهر فيها حكمة الشارع من تشريعها سوى قصد العبادة كإزالة النجاسات وعِدَد النساء؛ وقد ذكر ابن رشد رحمه الله تعالى هذا التفصيل في مجال اشتراط النية وهو يتعرض لبيان سبب اختلاف العلماء في كون النية شرطا في صحة الوضوء, فيقول:"وسبب اختلافهم تردد الوضوء بين أن يكون عبادة محضة, أعني غير معقولة المعنى, وإنما يقصد بها القربة فقط كالصلاة وغيرها, وبين أن يكون عبادة معقولة المعنى كغسل النجاسة؛ فإنهم لا يختلفون أن العبادة المحضة مفتقرة إلى النية, والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية, والوضوء فيه شبه من العبادتين, ولذلك وقع الخلاف فيه, وذلك أنه يجمع عبادة ونظافة, والفقه أن ينظر بأيهما هو أقوى شبها فيلحق به" [1] , وقد عبر ابن المنير رحمه الله عن هذا المعنى بقوله:"كل عمل لا تظهر له فائدة عاجلة بل المقصود به طلب الثواب فالنية مشترطة فيه, وكل عمل ظهرت فائدته ناجزة وتعاطته الطبيعة قبل الشريعة لملاءمة بينهما فلا تشترط النية فيه إلا لمن قصد بفعله معنى آخر يترتب عليه الثواب" [2] .
وإذا كانت النية هي التي تميز بين العبادة والعادة إذا ما حصل التباس بينهما, كالوضوء والغسل مثلا فإنهما يترددان بين التنظف والتبرد وبين العبادة, وكالإمساك عن المفطرات فإنه قد يكون للحمية والتداوي أو لعدم الحاجة إليه, وقد يقصد به صاحبه الصيام الشرعي, فشرعت النية لتمييز القرب من غيرها, فلا يقع شيء من ذلك وأشباهه عبادةً إلا إذا نوى صاحبه التعبد والتقرب إلى الله به [3] - فإنه إذا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] بداية المجتهد لابن رشد الحفيد 1/ 15، وانظر أحكام القرآن لابن العربي 4/ 437، 438، هميان الزاد لأطفيش 2/ 380.
[2] نقله عنه ابن حجر في فتح الباري 1/ 136.
[3] انظر: قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 1/ 223؛ والأشباه والنظائر للسيوطي ص 13.