و يمكن للمكلف الحصول على ثواب ترك المنهي إذا نوى بتركه التقرب إلى الله تعالى بحيث يستشعر التعبد لله بترك ما نهى عنه, لكن إن ترك المنهي عنه بدون أن ينوي التقرب والطاعة, فلا ثواب ولا عقاب؛ لما تقرر شرعًا من أنه"لا ثواب إلا بالنية" [1] و هو عام في فعل المأمور به وترك المنهي عنه, ولم يعاقب لأنه لم يفعل ما يستوجب العقاب, فإذا نوى الترك بكف النفس عن فعل المحرم أو المكروه - مع قدرته على فعله - تعبدًا لله جل وعلا, فإنه يثاب على هذا الترك, ويصبح عندئذ فعلًا, وقد تقرر شرعًا أن"الترك فعل إذا قُصد", يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح:"من هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة" [2] ومثل التروك في هذا المعنى: الأوامر التي تكون صورتها كافية في تحصيل مصلحتها, فإنها تصح وتجزئ بدون النية, لكن لا يثاب عليها إلا بنية التقرب, قال الإمام القرافي - رحمه الله تعالى:"الأوامر قسمان: قسم تكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته, كأداء الديون والودائع والغصوب ونفقات الزوجات والأقارب, فإن المصلحة المقصودة من فعل هذه الأمور انتفاع أربابها بها وذلك لا يتوقف على النية من جهة الفاعل, فيخرج الإنسان عن عهدتها وإن لم ينوها ..."إلخ [3] .
و لما كانت التروك المجردة عن إرادة الثواب غير مفتقرة إلى النية في تحقيق مقصد الشرع, وانتفاء العقاب عن المكلف, لم تكن داخلة في قوله صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنيات" [4] [5] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] غمز عيون البصائر للحموي 1/ 51، حاشية الترتيب لأبي سنة 1/ 8.
[2] أخرجه البخاري في 8/ 103 برقم 6491؛ و مسلم في 1/ 118 برقم 207 - (131) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
[3] الأمنية في إدراك النية للقرافي ص 27. وانظر أيضًا: مواهب الجليل للحطاب 1/ 233؛ المنثور للزركشي 3/ 287؛ جواهر الكلام لمحمد حسن النجفي 29/ 25؛ موسوعة القواعد الفقهية للبورنو 1/ 133.
[4] رواه البخاري في مواضع 1/ 6 (1) و 1/ 20 (54) و 3/ 145 - 146 (2529) و 5/ 56 - 57 (3898) و 7/ 3 - 4 (5070) و 8/ 140 (6689) و 9/ 22 - 23 (6953) ؛ ومسلم 3/ 1515 - 1516 (1907) / (155) كلاهما عن عمر بن الخطاب.
[5] انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 13/ 54؛ فتح الباري لابن حجر العسقلاني 1/ 13، موسوعة القواعد الفقهية 1/ 133.