ثابت بأمر محتمل" [1] فالمراد بالمعلوم والمقطوع والثابت: المتيقن."
وقد يقال: إن المتيقن بالشيء إذا طرأ عليه الشك لم يعد متيقنًا, وإلا لزم القول باجتماع النقيضين (اليقين والشك) وهو محال؛ وذلك لأن اليقين هو الاعتقاد الجازم بثبوت الشيء أو نفيه, والشك هو تردد الاعتقاد بين الثبوت والنفي. وإذا وجد أحدهما لزم أن ينتفي الآخر, إذ لا وجود للشك عند وجود اليقين نقيضان, وهما لا يجتمعان, وقول الفقهاء: إن اليقين لا يزول بالشك قد يوهم اجتماعهما من جهة أن المكلف متيقن شاك في وقت واحد؟!
والجواب عن ذلك: أن الفقهاء لا يريدون بالقاعدة اجتماع اليقين والشك, وإنما يريدون أن الحكم الثابت باليقين لا يؤثر فيه طروء الشك عليه [2] وعلى هذا فالشك يلغى ولا يثبت مع اليقين. ولذلك عبر بعض الفقهاء عن القاعدة بصيغة:"لا عبرة للشك مع اليقين"أي: هو في حكم المعدوم. وعبر عنها بعضهم بقوله:"الشك مُلغىً بالإجماع" [3] أي: الشك الذي يزاحم اليقين. وصاغها بعضهم بقوله:"اليقين لا يجتمع مع الشك" [4] ومعنى ذلك كله: أن الشك إذا طرأ على اليقين وزاحمه فإنه يُطرح ويُلغى ولا يعتبر؛ فإذا دخل المكلف في الصلاة موقنًا بالطهارة ثم طرأ له شك في أثنائها, فإنه لا يعتد بشكه بل يبني على يقينه ويتم صلاته.
وعدم تأثير الشك في اليقين لا فرق فيه بين تقدم اليقين ثم طروء الشك عليه [5] , أو العكس بأن يتقدم الشك ثم يحدث بعده اليقين, ولذلك عبر بعض الفقهاء عن ذلك بقولهم:"حدوث اليقين يرفع حكم ما تقدمه من الشك" [6] بمعنى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] حاشية ابن عابدين 1/ 412.
[2] انظر الشك وأثره ... للسيلمان 1/ 120 - 121؛ تقريرات البحراوي 1/ 67 - ب - 68 - أ.
[3] شرح المنجور للمنهج المنتخب ص 516.
[4] المنثور للزركشي 2/ 286.
[5] هذا هو الذي تدل عليه صيغ كالقاعدة في معظمها وأغلبها؛ وهو المفهوم من شرح الفقهاء لها؛ وتطبيقها على فروعها.
[6] الحاوي الكبير للماوردي 5/ 361.