وهذه القاعدة مقيدة بما يلي:
أولا: أن لا يكثر الشك بحيث يصير عادة له, ويصبح موسوسا, فمن استنكحه الشك [1] - أي غلب عليه - جعل شكه كعدمه, فلا يعتد به ولا يلتفت إليه؛ إذ"لا شك لكثير الشك", وقد نص المالكية على ذلك بقولهم:"الشك في نقص الفرائض كتحققه في وجوب الإتيان ببدل المشكوك فيه, حيث لا استنكاح" [2] , وأما مع الاستنكاح يجب البناء على الأكثر؛ قال النفراوي:"الشك في النقصان كتحققه, إلا المستنكح فإنه يجب عليه البناء على الأكثر" [3] ؛ فإذا شك الموسوس هل صلى ثلاثا أو أربعا بنى على الأكثر, دفعا للحرج والمشقة [4] , أما الحنفية فذهبوا إلى أن الذي يكثر شكه فإنه يتحرى ويأخذ بما يغلب على ظنه, ولو كان موسوسا, وإذا لم يقع تحريه على شيء بنى على الأقل [5] , وأما عند الشافعية فحكم من شك في عدد الركعات وهو في الصلاة أن يبني على اليقين, وهو الأقل,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] استنكح في اللغة بمعنى نكح، وهو من نكح المطر الأرض إذا اختلط بِثَراها، ويقال: تناكحت الأشجار: إذا انضم بعضها إلى بعض، ومن المجاز استنكح النوم عينه: غلبها. انظر: القاموس المحيط للفيروز آبادي ص 246، تاج العروس للزبيدي 7/ 196 - 197، المصباح المنير للفيومي ص 624، المعجم الوسيط 2/ 951؛ مادة: نكح. والمستنكح في اصطلاح الفقهاء: هو الذي يكثر الشك منه، ويغلب عليه؛ فيشك في كل وضوء أو صلاة هل زاد أو نقص؟ ولا يتيقن شيئا يبني عليه، أو يطرأ له ذلك في اليوم مرة أو مرتين. انظر: مواهب الجليل 1/ 301، كفاية الطالب الرباني 1/ 324، ويصح في المستنكح فتح الكاف وكسرها كما قال الحطاب في مواهب الجليل 1/ 143. و هذا اللفظ اشتهر استعماله بمعنى الغلبة عند فقهاء المالكية خاصة فيقولون: استنكحه الشك أي اعتراه كثيرا، وبقية الفقهاء يعبرون عن ذلك بالموسوس أو بغلبة الشك أو كثرته بحيث يصبح عادة له.
[2] الفواكه الدواني للنفراوي 1/ 220، حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني 1/ 318.
[3] الفواكه الدواني للنفراوي 1/ 224.
[4] انظر: شرح مختصر خليل للخرشي 1/ 312 - 313، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/ 255.
[5] انظر: بدائع الصنائع للكاساني 1/ 165، الهداية للمرغيناني مع العناية للبابرتي 1/ 518 - 519، تبيين الحقائق للزيلعي 1/ 199، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 308.