ثالثًا: أن لا توجد حجة تثبت بطلان القديم, وتستدعي التغيير لمن يدعيه؛ كما نصت على ذلك بعض الصيغ الأخرى للقاعدة؛ ومنها:"الأصل أن ما وجد قديما فإنه يترك على حاله, ولا يغير إلا بحجة" [1] .
ولا تعني القاعدة أن التقادم سبب من أسباب الملكية, بل هو دليل على"أن الحق قد نشأ عن سبب صحيح مجهول, ولكن لطول العهد تنوسي السبب, وبقي الأثر معروفا مقررا, دون أن يعرف له مبدأ, فيحافظ عليه لقدمه وتقرره؛ لأن الظاهر أنه إنما كان لسبب صحيح" [2] . أما اكتساب الحقوق وسقوطها بالتقادم فهو حكم ينافي العدالة والخلق [3] , ويكفي في ذلك ظلما أن يصير الغاصب أو السارق مالكًا بعد حيازته لما غصب أو سرق مدة طويلة.
ومجال إعمال هذه القاعدة إنما هو عند وقوع الخلاف والتنازع في ملكية الأعيان والمنافع, أما إذا وقع الصلح والتراضي, فالعبرة بما تراضى عليه الطرفان, إذ التراضي هو أساس التصرفات, و"الرضا مما يسقط الحق" [4] .
وهذه القاعدة متفرعة عن قاعدة:"الأصل بقاء ما كان على ما كان"؛ لأنها تقرر أن الأصل في الشيء الذي لا يعرف أوله ومبدأ وجوده أنه باق على ما هو عليه, ولمن هو له, إلى أن يرد دليل بخلافه [5] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المبسوط للسرخسي 23/ 180؛ الفتاوى الهندية 5/ 397.
[2] أحكام المعاملات الشرعية للخفيف ص 65.
[3] أما القوانين الوضعية فإنها تجعل التقادم ووضع اليد على ملك الغير لمدة طويلة سببًا من الأسباب المُكسِبة للملكية. انظر: المدخل الفقهي العام للزرقا 1/ 335؛ المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي لمحمد مصطفى شلبي ص 379.
[4] الذخيرة للقرافي 7/ 213.
[5] وقد اعتبر الشيخ مصطفى الزرقا هذه القاعدة في كتابه المدخل الفقهي 2/ 998 متفرعة عن قاعدة:"لا ضرر ولا ضرار"، ربما لكون قاعدة:"الضرر لا يكون قديما"- المتفرعة عن قاعدة الضرر- مقيدة لهذه القاعدة، وقد وردت عقبها في المجلة العدلية، والظاهر أن قاعدتنا متفرعة عن قاعدة الاستصحاب، كما نص على ذلك الأتاسي في شرح المجلة 1/ 23، وانظر: نظرية التقعيد الفقهي للروكي ص 162؛ الوجيز في إيضاح قواعد الفقه للبورنو ص 178.