والقاعدة من القواعد الكبيرة في الفقه الإسلامي يدل على ذلك كثرة فروعها وانتشارها في شتى الأبواب, وقد استعملها الفقهاء على اختلاف مذاهبهم وتنوع اتجاهاتهم كما يتبين ذلك من تطبيقاتها ومصادر ورودها, وهي في الجملة متفق عليها بين العلماء؛ فمنهم من نص عليها أو على صيغة من صيغها نصًّا, ومن لم ينص عليها نص على قواعد متفرعة عنها كما خرج عليها عشرات الفروع الفقهية, لكن يلاحظ أن المالكية وإن لم ينصوا على القاعدة نصًّا قد ذكروا أن لهم قولين في كثير من فروعها المخرجة عليها [1] , كما يلاحظ أيضا أن للشافعية والحنابلة في كثير من فروعها رواية أو وجها آخر اعتبروا فيه الظن, لكن المذهب عندهما في أكثرها هو الموافق لمضمون القاعدة باعتبار ما في نفس الأمر [2] على أن هناك فروعا كان للظن الخطإ فيها اعتبار عندهما أو عند غيرهما من بقية الفقهاء الذين نصوا على القاعدة وتبنوها بإطلاق, وصُحح فيها العمل المبني على ظن بان عدم صوابه في حقيقة الأمر فيما يعد استثناء من حكم القاعدة [3] , كما في المصلي إذا خفيت عليه القبلة, ولم يكن عنده ما يعرف به اتجاهها فاجتهد وتحرى وصلى إلى جهة يظنها القبلة فبان خطأ ظنه وأنه صلى إلى غير القبلة, فإنه لا إعادة عليه عند الحنفية والحنابلة [4] وكما إذا اجتهد مَن عليه زكاة في إيصالها إلى مستحقيها ولم يقصر في البحث, فوقعت في يد من لا يستحقها كأن تقع في يد غني ادعى الفقر مثلا - أجزأ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: إيضاح المسالك للونشريسي ص 86، شرح المنهج المنتخب للمنجور ص 203، شرح السجلماسي على المنهج 1/ 115، تحت قاعدة"هل النظر إلى المقصود أو إلى الموجود"وقاعدة"فساد الصحيح بالنية".
[2] انظر: قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 2/ 54 فما بعدها، القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام البعلي ص 83 فما بعدها.
[3] سنذكر شيئا من ذلك في فقرة التطبيقات إن شاء الله تعالى في تلك الفروع التي وقع فيها خلاف؛ حيث يعد أحد القولين تطبيقا للقاعدة ويعد القول المخالف استثناء من حكم القاعدة، ولذا سنكتفي بذكرها في فقرة التطبيقات عن إفرادها بفقرة خاصة.
[4] انظر: حاشية ابن عابدين 1/ 289، كشاف القناع للبهوتي 1/ 311، أما عند المالكية فيعيد في الوقت استحبابا، والأظهر عند الشافعية أنه يعيد مطلقا. انظر: شرح مختصر خليل للخرشي 1/ 256، نهاية المحتاج للرملي 1/ 427.