وعدم اعتبار الموهوم في مقابلة المعلوم متعين لسببين:
أولهما: أن الشك أقوى من الوهم فحيث تقرر أن الشك لا يزيل اليقين فإن عدم تأثير
الموهوم فيه من باب أولى.
ثانيهما: أن الأصل عند الفقهاء أن الوهم غير معتبر شرعا وقد تفننوا في التعبير عن ذلك
فقالوا:"الوهم لا يعتبر في الأحكام", و"لا عبرة للتوهم", و"المستفاد من غلط الوهم لا يصلح البتة [1] ". بل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك حيث حرموا اعتبار الوهم أصلا فقالوا:"لا يجوز أن يعلق الحكم على معنى متوهم [2] "؛ و"الوهم محرم الاتباع رأسا [3] ".
وبهذا يتبين أن القاعدة التي بين أيدينا أخص من قاعدة"لا عبرة للتوهم"لأن الوهم في قاعدتنا واقع في مقابلة المعلوم فلا يقوى على معارضته بحال. أما إذا انتفى المعارض المعلوم فإن الموهوم قد يعتبر في حالات نادرة مستثناة من قاعدة"لا عبرة للتوهم", منها قولهم: إن الموهوم في المحرمات كالمتحقق وقد مثلوا له بمن قعد عن الصيد ولم يجد فيه أثر رمحه فإنه لا يأكله, أما إذا قعد عنه يومين ولم يجد فيه غير أثر رمحه فإنه يأكله [4] لأن سبب إباحته وجد يقينا فلا يعارض بالشك والوهم [5] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المستصفى للغزالي 1/ 49.
[2] الواضح لابن عقيل 2/ 287.
[3] القواعد للمقري 1/ 292.
[4] بنص حديث:"إذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل، وإن وقع في الماء فلا تأكل"روى البخاري 7/ 87 (5484) عن عدي بن حاتم رضي الله عنه، إذا أرسلت كلبك وسميت فأمسك فكل، وإن أكل فلا تأكل، فإنما امسك على نفسه، وإذا خالط كلابًا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن فلا تأكل فإنك لا تدري أيها قتل وإن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل، وإن وقع في الماء فلا تأكل، واللفظ له؛ ومسلم 3/ 1531 - 1532 (1929) / (6) (7) .
[5] الموسوعة الفقهية، 28/ 128 - 129.