السادس: العسر وعموم البلوى: كالصلاة مع النجاسة المعفو عنها كدم القروح والدمامل والقيح والصديد, وطين الشارع, وكعدم وجوب قضاء الصلاة على الحائض لتكررها, وكجواز بيع ما مأكولُه في جوفه وما فيه غرر يسير, وقد عبر الفقهاء عن هذا السبب من أسباب التخفيف بقولهم:"ما عمت بليته خفت قضيته"وقولهم:"كل ما شق الاحتراز منه يعفى عنه".
السابع: النقص: ومن ذلك: عدم تكليف الصبي والمجنون وعدم تكليف النساء بكثير مما يجب على الرجال كالجماعة والجمعة والجهاد وتحمل العقل.
وإذا كانت هذه الأعذار هي السبب في الترخيص والتخفيف فمن المنطقي إذن أن تزول الرخصة بزوال سببها ويرجع الأمر بالتكليف إلى حالته الأصلية من عدم الترخص؛ إذ الحكم يدور مع علته, كما لو شُفي المريض أو أقام المسافر أو بلغ الصبي, فإنهم لا يتمتعون بما كانوا يتمتعون به من رخص كان قد اجتلبها لهم السبب الذي زال عنهم, وقد جاءت بعض القواعد منبهة على هذا الأمر فنصت على أنه (إذا اتسع الأمر ضاق) ولفظها الآخر (ما جاز لعذر بطل بزواله) , مع ملاحظة أن هذا خاص بما إذا لم يشرعوا في الترخص فإن لهم حينئذ أن لا يقطعوا ترخصهم, كما لو قصر المسافر الصلاة ثم أقام والوقت لا يزال باقيًا فليس عليه أن يعيد [1] , وكمن أفطر في نهار رمضان لمرض ثم برأ منه قبل الليل, فليس عليه أن يمسك [2] , وقد نصت على ذلك قاعدة (زوال العذر بعد الترخص لا يؤثر)
والقاعدة تعدّ مظهرًا واضحًا من مظاهر رفع الحرج عن هذه الأمة, ولذلك كان مبدأ رفع الحرج هو القاعدة الأم التي ترجع إليها القاعدة, وليست صيغة أخرى للقاعدة كما قد يذهب الظن؛ فقاعدة المشقة التي بين أيدينا متعلقة بالأعذار الطارئة الموجبة للتخفيف بينما رفع الحرج يشمل هذا كما يشمل أمورًا خارجة عنه كمنع التكليف بالمحال أو بما لا يطاق وكتلك الأحكام المشروعة ابتداء ومبناها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: الشرح الكبير (فتح العزيز شرح الوجيز) للرافعي 6/ 435
[2] انظر: التاج والإكليل للمواق 2/ 395