محكومة كلها بالقواعد, مندرجة تحت أحكامها الكلية من غير تخلف ولا توقف, ولذلك فالاطراد بهذا الاعتبار حاصل في القاعدة من جهة الكل, أي بالنظر إلى جنسها لا إلى ذاتها, ولإيضاح ذلك نسوق المثال الآتي:
قاعدة"اليقين لا يزول بالشك"من فروعها: أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث فلا وضوء عليه, وبذلك قال جمع من الفقهاء, لكن المشهور عند المالكية أنه يعيد الوضوء, قيل وجوبا وقيل استحبابا. وموجب ذلك أن هذه الجزئية تتنازعها مع هذه القاعدة قاعدة أخرى وهي أن"الذمة إذا شُغلت بيقين لم تبرأ إلا بيقين", والبراءة اليقينية لا تكون إلا بالأداء الصحيح, وذمة المكلف تكون مشغولة بالصلاة إذا دخل وقتها, وذلك على سبيل اليقين, فلا تبرأ منها إلا بيقين, فإذا صلى وهو شاك في الحدث لم يكن قد أفرغ الذمة وأبرأها بيقين. وإنما صار المالكية إلى قاعدة الصلاة دون قاعدة الطهارة, لأن الصلاة من المقاصد, والطهارة من الوسائل, والمقاصد أعلى رتبة من الوسائل, فهي مقدمة عليها. والاحتياط للمقاصد أولى من الاحتياط للوسائل, لأن الوسائل أخفض رتبة من المقاصد.
فهذه الجزئية التي دار عليها الخلاف, خرجت عند المالكية من قاعدة ودخلت في أخرى, وهذا نوع من الاطراد العام في القواعد, لأن الشذوذ الحقيقي هو أن يبقى الشاذ من غير حكم, ولذلك قالوا:"الشاذ لا حكم له". أما إذا شذ من حكم قاعدة إلى حكم قاعدة أخرى فإن شذوذه حينئذ اعتباري لا مطلق.