لكن الواجب المعجوز عنه إما أن يسقط بالكلية, أو يبقى في ذمة المكلف, ووجب أداؤه عند القدرة وزوال العجز - على حسب كل عبادة -, وإذا كان له بدل وجب الانتقال إلى بدله - لما تقرر شرعًا من أنه"إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل", فالبدل إنما يصار إليه عند العجز عن الأصل, فإن لم يكن له بدل سقط, وكذلك إن عجز عن بدله سقط البدل أيضًا؛ مثال ذلك: إذا عجز عن الطهارة بالماء سقط عنه وجوب التطهر بالماء؛ لكن ينتقل إلى التيمم؛ فإن عجز سقط التيمم أيضًا -كمن كان محبوسًا مكبلًا لا يستطيع أن يتوضأ, ولا أن يتيمم: فإنه يصلي بلا وضوء, ولا تيمم [1]
وقد اتفق الفقهاء على الأخذ بمضمون هذه القاعدة - في الجملة - وقالوا:"إن الاستطاعة شرط التكليف؛ فلا يجوز التكليف بما لا يستطاع عادة" [2] , لكن من قدر على بعض الواجبات وعجز عن بعضها فإنه يأتي بما قدر عليه ويسقط ما عجز عنه, ولا يكون العجز عن البعض موجبًا لترك الباقي [3] ؛ بناءً على أن"الميسور لا يسقط بالمعسور".
وشرط تحقق الاستطاعة التي هي مناط التكاليف الشرعية: وجودها حقيقة لا حكما. ومعنى وجودها حقيقة: وجود القدرة على الفعل من غير تعسر [4] , ومعنى وجودها حكما: القدرة على الأداء بتعسر, ومشقة [5] , فالقدرة على فعل أمر مع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مسألة صلاة فاقد الطهورين فيها خلاف بين الفقهاء، والجمهور على أنه لا تسقط عنه الصلاة، بل يصلي بلا وضوء ولا تيمم، ولا يعيد عند الحنابلة الإباضية، وذهب الحنفية والشافعية إلى وجوب إعادتها. أما المالكية، فعندهم أربعة أقوال في المسألة، منها: أن الصلاة ساقطة عنه أداءً وقضاءً. انظر: حاشية ابن عابدين 1/ 168؛ حاشية الصاوي على الشرح الصغير 1/ 157 - 158؛ مغني المحتاج للشربيني 1/ 105 - 106؛كشاف القناع للبهوتي 1/ 171؛ الموسوعة الفقهية 14/ 173، معارج الآمال للسالمي 2/ 39.
[2] الموسوعة الفقهية 3/ 330.
[3] انظر: قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 2/ 5.
[4] انظر: حاشية الطحطاوي ص 234.
[5] انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 3/ 331.