فهرس الكتاب
تحصيل القدرة للإنسان العاجز بنفسه - إلا أنه بالرجوع إلى العديد من الفروع الفقهية عندهم نجدهم لا يدخلون في القاعدة كل ما تعظم به المنة؛ فلا يوجبون على العاجز قبولها ومن ثم لا تحصل له القدرة بذلك, بخلاف ما كانت المنة فيه يسيرة فهو من مجال القاعدة عندهم, وتطبيقات القاعدة من هذا القبيل عندهم, ومن أجل هذا فإنهم يفرقون مثلا بين مَن بُذل له ماء وهو غير واجد له فيوجبون عليه قبوله ولا يجيزون له أن يتيمم؛ لأن المنة في بذل الماء يسيرة, وبين مَن بُذل له مال ليشتري به ماءً لوضوئه فلا يلزمونه بقبوله ويجوزون له التيمم؛ لأن المنة ببذل المال كبيرة [1] , ومن ذلك أن المفلس لا يُجبر على قبول هدية أو صدقة أو قرض؛ لما يلحقه من منة بقبول ذلك [2] فلا تكون قدرة الغير قدرةً له في سداد ما عليه من دين.
وأما أبو حنيفة فإن الغير الذي لا يكون الإنسان قادرا بقدرته عنده هو مَن لا تجب عليه مساعدته, كالأجنبي وكالزوجة [3] , أما ولد الإنسان وخادمه ومَن يستأجره بماله لمساعدته فإن الإنسان يكون قادرا بقدرتهم ومساعدتهم له؛ لأن هؤلاء تجب عليهم مساعدته ولا اختيار لهم في ترك ذلك أو فعله, وقد عبرت بعض صيغ القاعدة الحاكية لمذهب أبي حنيفة عن هذا فنصت على أن"القادر بقدرة غيرٍ مختارٍ [4] لا يكون قادرا على الإطلاق"مما يعد قيدا في القاعدة عند أبي حنيفة, رحمه الله تعالى, فلا يكون هناك خلاف بين أبي حنيفة وغيره في اعتبار قدرة هؤلاء قدرةً للعاجز عن الفعل؛ وقد أشار ابن نجيم إلى هذا القيد بقوله في بعض الفروع الفقهية:"وإنما اعتبر أبو حنيفة في مسائل الأمي قدرة الغير, مع أن من أصله أن القادر بقدرة غيره ليس بقادر؛ لأنه مقيد بما إذا تعلق باختيار ذلك"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: الشرح الصغير للدردير 1/ 188، مغني المحتاج للشربيني 1/ 90، المغني لابن قدامة 1/ 240.
[2] انظر: المغني لابن قدامة 6/ 582.
[3] وينبغي التنبيه هنا على أنه قد نسب البعض إلى أبي حنيفة القول بأن قدرة الزوجة قدرة لزوجها، وليس الأمر كذلك، ولانظر: البحر الرائق وحاشية ابن عابدين عليه 1/ 147.
[4] (مختارٍ) صفة لـ (غير) ؛ ولذلك كانت قيدا له.